تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
بِالْمَدِينَةِ لَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ . فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى قُتِلَ مُحَمَّدٌ . قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ . قَالَ : سَمِعْتُ مالك بن أنس يقول : لَمَّا حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ دَعَانِي . فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَحَادَثْتُهُ . وَسَأَلَنِي فَأَجَبْتُهُ . فَقَالَ : إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ أَنْ آمُرَ بِكُتُبِكَ هَذِهِ الَّتِي وَضَعْتَهَا - يَعْنِي الْمُوَطَّأَ - فَتُنْسَخُ نُسَخًا . ثُمَّ أَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِنُسْخَةٍ . وَآمَرُهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا بِمَا فِيهَا لا يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ . وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الْمُحْدَثِ . فَإِنِّي رَأَيْتُ أَصْلَ الْعِلْمِ رِوَايَةَ الْمَدِينَةِ وَعِلْمِهِمْ . قَالَ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا تَفْعَلْ هَذَا . فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سَبَقَتْ إِلَيْهِمْ أَقَاوِيلُ . وَسَمَعُوا أَحَادِيثَ . وَرَوَوْا رِوَايَاتٍ . وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا سَبَقَ إِلَيْهِمْ . وَعَلِمُوا بِهِ . وَدَانُوا بِهِ مِنِ اخْتِلافِ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ . وَإِنَّ رَدَّهُمْ عَمَّا قَدِ اعْتَقَدُوهُ شَدِيدٌ . فَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ . وَمَا اخْتَارَ كُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ مِنْهُمْ لأَنْفُسِهِمْ فَقَالَ : لَعَمْرِي لَوْ طَاوَعْتَنِي عَلَى ذَلِكَ لأَمَرْتُ بِهِ . قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ . قَالَ : لَمَّا دُعِيَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَشُووِرَ وَسُمِعَ مِنْهَ وَقُبِلَ قَوْلُهُ . شَنَفَ النَّاسُ لَهُ وَحَسَدُوهُ وَبَغَوْهُ بِكُلِّ شَيْءٍ . فَلَمَّا وَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعَوْا بِهِ إِلَيْهِ . وَكَثُرُوا عَلَيْهِ عِنْدَهُ . وَقَالُوا لا يَرَى أَيْمَانَ بِيعَتِكُمْ هَذِهِ بِشَيْءٍ . وَهُوَ يَأْخُذُ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ ثَابِتٍ الأَحْنَفِ . فِي طَلاقِ الْمُكْرَهِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ . فَغَضِبَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ . فَدَعَا بِمَالِكٍ . فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا رَقِيَ إِلَيْهِ عَنْهُ . ثُمَّ جَرَّدَهُ وَمَدَّهُ وَضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ . وَمُدَّتْ يَدُهُ حَتَّى انْخَلَعَ كَتِفَاهُ وَارْتَكَبَ منه أمر عظيم . فوالله مَا زَالَ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ فِي رِفْعَةٍ عِنْدَ النَّاسِ وَعُلُوٍّ مِنْ أَمْرِهِ وَإِعِظَامِ النَّاسِ لَهُ . وَكَأَنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ السِّيَاطُ الَّتِي ضَرَبَهَا حُلِيًّا حُلِيَّ بِهَا . قَالَ : وَكَانَ مَالِكٌ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَيَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ وَالْجُمُعَةَ وَالْجَنَائِزَ وَيَعُودُ الْمَرْضَى . وَيَقْضِي الْحُقُوقَ . وَيَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ . وَيَحْتَجُّ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ . ثُمَّ تَرَكَ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ . وَكَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَتَرَكَ شُهُودَ الجنائز . فكان يأتي أصحابها فيغريهم ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَلَمْ يَكُنْ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلا الْجُمُعَةَ . وَلا يَأْتِي أَحَدًا يُعَزِّيهِ وَلا يَقْضِي لَهُ حَقًّا . وَاحْتَمَلَ النَّاسُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُ . وَكَانُوا أَرْغَبَ مَا كَانُوا فِيهِ وَأَشَدَّهُ لَهُ تَعْظِيمًا حَتَّى مَاتَ عَلَى ذَلِكَ . وَكَانَ رُبَّمَا كُلِّمَ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ : لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِعُذْرِهِ . قَالَ : وَكَانَ مَالِكٌ يَجْلِسُ فِي مَنْزِلِهِ عَلَى ضِجَاعٍ لَهُ وَنَمَارِقٍ مُطْرَحَةٍ يُمْنَةً وَيُسْرَةً