وقال : أخبرنا محمد بن عمر . قَالَ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي ذئب يكنى أبا الحارث . ولد سنة ثمانين . عام الجحاف . وكان من أورع الناس وأفضلهم .
وكانوا يرمونه بالقدر . وما كان قدريا . لقد كان ينفي قولهم ويعيبه . ولكنه كان رجلا كريما . يجلس إليه كل أحد ويغشاه فلا يطرده . ولا يقول له شيئا وإن هو مرض عاده .
فكانوا يتهمونه بالقدر لهذا وشبهه . وكان يصلي الليل أجمع ويجتهد في العبادة . ولو قيل له إن القيامة تقوم غدا ما كان فيه مزيد من الاجتهاد .
وأخبرني أخوه قَالَ : يصوم يوما ويفطر يوما . فوقعت الرجفة بالشام . فقدم رجل من أهل الشام فسأله عن الرجفة . فأقبل يحدثه وهو يستمع لقوله . فلما قضى حديثه - وكان ذلك اليوم يوم إفطاره - قلت له - قم نغد . قَالَ : دعه اليوم . قَالَ : فسرد من ذلك اليوم إلى أن مات . وكان شديد الحال . يتعش بالخبز والزيت . وكان له طيلسان وقميص . فكان يشتو فيه ويصيف . وكان من رجال الناس صرامة وقولا بالحق وكان يتشبب في حداثته حتى كبر وطلب الحديث . وقال : لو طلبته وأنا صغير كنت أدركت مشايخ فرطت فيهم . وكنت أتهاون بهذا الأمر حتى كبرت وعقلت . وكان يحفظ حديثه كله . لم يكن له كتاب . ولا شيء ينظر فيه . ولا له حديث مثبت في شيء .
قَالَ : وسألت سلامة أم ولده . أنه كتب ؟ قالت : لا . ما له كتاب واحد .
قَالَ : وأول يوم جئته أنا وأخي شملة انقلبنا من الكتاب . فعمدت أمي إلينا فألبستنا ثيابا . وأخذت دفترا لي قد كتبت فيه بعض أحاديث ابن أبي ذئب . فجئته فقرأت عليه قراءة رديئة وخط رديء . فتتعتعت فيه . قَالَ : فضجر وأخذ الدفتر فطرحه .
فقال : صبيان لا يحسنون شيئا . قوموا عنا فقمنا . فلما كان الغد وانقلبنا من الكتاب .
قالت أمي : اذهبوا إلى ابن أبي ذئب . فأما أخي شملة فحلف ألا يذهب إليه . وأما أنا فذهبت إليه . فحين رآني قَالَ : تعال تعال اذهب إلى فلان فخذ منه كتابه وتعال . قَالَ :
فصبرني حتى فرغت منه كله . قَالَ : فعرفت أنه يريد به الله . قَالَ : ثم عاد إليه أخي بعد . وكنا نختلف إليه كلانا ثم لم يخرج من الدنيا حتى سمعتها منه سماعا مما يرددها . وحتى صار إذا شك في حديث التفت إلي فقال : ما تقول في كذا وكذا . كيف حدثتك ؟ فأقول : حدثتنا به كذا وكذا . فيرجع إلى قولي .
قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ . قَالَ : سَمِعْتُ ابن أبي ذئب . وسأله رجل من أهل مصر فقال : يا أبا الحارث . ما قرأت عليك من الحديث أقول حدثني ؟ قَالَ : نعم . وما
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 456
مساهمون: ابن سعد
ص٤٥٦