فيا رب كن لي مؤنسا يوم وحشتي * فإني بما أنزلته لمصدق
وما ضرني أني إلى الله صائر * ومن هو من أهلي أبر وأرفق
فخر الدين ابن عساكر
عبد الرحمن بن الحسن بن هبة الله بن عساكر
أبو منصور الدمشقي شيخ الشافعية بها ، وأمه اسمها أسماء بنت محمد بن الحسن بن طاهر
القدسية المعروف والدها بأبي البركات ابن المران ، وهو الذي جدد مسجد القدم في سنة سبع عشرة
وخمسمائة وبه قبره وقبرها ، ودفن هناك طائفة كبيرة من العلماء ، وهي أخت آمنة والدة القاضي
محيي الدين محمد بن علي بن الزكي ، اشتغل الشيخ فخر الدين من صغره بالعلم الشريف على
شيخه قطب الدين مسعود النيسابوري ، فتزوج بابنته ودرس مكانه بالجاروجية ، وبها كان يسكن
في إحدى القاعتين اللتين أنشأهما وبها توفي غربي الإيوان ، ثم تولى تدريس الصلاحية الناصرية
بالقدس الشريف ، ثم ولاه العادل تدريس التقوية ، وكان عنده أعيان الفضلاء ، ثم تفرغ فلزم
المجاورة في الجامع في البيت الصغير إلى جانب محراب الصحابة يخلو فيه للعبادة والمطالعة
والفتاوى ، وكانت تفد إليه من الأقطار ، وكان كثير الذكر حسن السمت ، وكان يجلس تحت النسر
في كل اثنين وخميس مكان عمه لاسماع الحديث بعد العصر ، فيقرأ عليه دلائل النبوة وغيره ،
وكان يحضر مشيخة دار الحديث النورية ، ومشهد ابن عروة أول ما فتح ، وقد استدعاه الملك
العادل بعد ما عزل قاضيه ابن الزكي فأجلسه إلى جانبه وقت السماط ، وسأل منه أن يلي القضاء
بدمشق ، فقال حتى أستخير الله تعالى ، ثم امتنع من ذلك فشق على السلطان امتناعه ، وهم أن
يؤذيه فقيل له أحمد الله الذي فيه مثل هذا . ولما توفي العادل وأعاد ابنه المعظم الخمور أنكر عليه
الشيخ فخر الدين ، فبقي في نفسه منه ، فانتزع منه تدريس التقوية ، ولم يبق معه سوى الجاروجية
ودار الحديث النورية ومشهد ابن عروة ، وكانت وفاته يوم الأربعاء بعد العصر عاشر رجب من هذه
السنة وله خمس وستون سنة ، وصلي عليه بالجامع وكان يوما مشهودا ، وحملت جنازته إلى مقابر
الصوفية فدفن في أولها قريبا من قبر شيخه قطب الدين مسعود بن عروة .
سيف الدين محمد بن عروة الموصلي
المنسوب إليه مشهد ابن عروة بالجامع الأموي ، لأنه أول من فتحه ، وقد كان مشحونا
بالحواصل الجامعية وبنى فيه البركة ووقف فيه على الحديث درسا ، ووقف خزائن كتب فيه ، وكان
مقيما بالقدس الشريف ولكنه كان من خواص أصحاب الملك المعظم ، فانتقل إلى دمشق حين
خرب سور بيت المقدس إلى أن توفي بها ، وقبره عند قباب أتابك طغتكين قبلي المصلى رحمه الله .
البداية والنهاية — صفحة 119
مساهمون: ابن كثير
ص١١٩