تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
قل للملوك تنحوا عن ممالككم * فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها ثم سار السلطان في بقية المحرم ( 1 ) إلى حلب فحاصرها وقاتله أهلها قتالا شديدا ، فجرح أخو السلطان تاج الملوك بوري بن أيوب جرحا بليغا ، فمات منه بعد أيام ، وكان أصغر أولاد أيوب ، لم يبلغ عشرين سنة ، وقيل إنه جاوزها بثنتين ، وكان ذكيا فهما ، له ديوان شعر لطيف ، فحزن عليه أخوه صلاح الدين حزنا شديدا ، ودفنه بحلب ، ثم نقله إلى دمشق ، ثم اتفق الحال بين الناصر وبين صاحب حلب عماد الدين زنكي بن آقسنقر على عوض أطلقه له الناصر ، بأن يرد عليه سنجار ويسلمه حلب ، فخرج عماد الدين من القلعة إلى خدمة الناصر وعزاه في أخيه ونزل عنده في المخيم ، ونقل أثقاله إلى سنجار ، وزاده السلطان الخابور والرقة ونصيبين وسروج واشترط عليه إرسال العسكر في الخدمة لأجل الغزاة في الفرنج ، ثم سار وودعه السلطان ومكث السلطان في المخيم يرى حلب أياما غير مكترث بحلب ولا وقعت منه موقعا ، ثم صعد إلى قلعتها يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر ، وعمل له الأمير طهمان وليمة عظيمة ، فتلا هذه الآية وهو داخل في بابها ( قل اللهم مالك الملك ) [ آل عمران : 26 ] الآية . ولما دخل دار الملك تلا قوله تعالى ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ) الآية [ الأحزاب : 27 ] ، ولما دخل مقام إبراهيم صلى فيه ركعتين وأطال السجود به ، والدعاء والتضرع إلى الله ، ثم شرع في عمل وليمة ، وضربت البشائر وخلع على الامراء ، وأحسن إلى الرؤساء والفقراء ، ووضعت الحرب أوزارها ، وقد امتدحه الشعراء بمدائح حسان . ثم إن القلعة وقعت منه بموقع عظيم ، ثم قال : ما سررت بفتح قلعة أعظم سرورا من فتح مدينة حلب ، وأسقطت عنها وعن سائر بلاد الجزيرة المكوس والضرائب ، وكذلك عن بلاد الشام ومصر ، وقد عاث الفرنج في غيبته في الأرض فسادا ، فأرسل إلى عساكره فاجتمعوا إليه ، وكان قد بشر بفتح بيت المقدس حين فتح حلب ، وذلك أن الفقيه مجد الدين بن جهبل الشافعي رأى في تفسير أبي الحكم العربي عند قوله : ( آلم غلبت الروم في أدنى الأرض ) الآية [ الروم : 1 - 2 ] ، البشارة بفتح بين المقدس في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، واستدل على ذلك بأشياء ، فكتب ذلك في ورقة وأعطاها للفقيه عيسى الهكاري ، ليبشر بها السلطان ، فلم يتجاسر على ذلك خوفا من عدم المطابقة ، فأعلم بذلك القاضي محيي الدين بن الزكي ، فنظم معناه في قصيدة يقول فيها : وفتحكم حلب الشهباء في صفر * قضى لكم بافتتاح القدس في رجب ( 2 ) وقدمها إلى السلطان فتاقت نفسه إلى ذلك ، فلما افتتحها كما سيأتي أمر ابن الزكي فخطب
هامش
( 1 ) كذا بالأصل وابن الأثير ، وفي تاريخ ابن خلدون 5 / 261 : في آخر سنة 579 ه‍ . ( 2 ) وفي الكامل 11 / 497 : وفتحكم حلبا بالسيف في صفر * مبشر بفتوح القدس في رجب
البداية والنهاية — صفحة 384 | ابن كثير / علي شيري