علي بن الوليد المغربي يشتغل عليه في المنطق ، وكان أبو علي يدعوه إلى الاسلام ويوضح له الدلالات
حتى أسلم وحسن إسلامه ، واستخلفه الدامغاني في كتب السجلات ، ثم كان يطبب الناس بعد
ذلك بلا أجر ، وربما ركب لهم الأدوية من ماله تبرعا ، وقد أوصى بكتبه أن تكون وقفا بمشهد أبي
حنيفة رحمه الله وإيانا آمين .
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وأربعمائة
فيها عظم الخطب بأصبهان ونواحيها بالباطنية فقتل السلطان منهم خلقا كثيرا ، وأبيحت
ديارهم وأموالهم للعامة ، ونودي فيهم إن كل من قدرتم عليه منهم فاقتلوه وخذوا ماله ، وكانوا قد
استحوذوا على قلاع كثيرة ، وأول قلعة ملكوها في سنة ثلاث وثمانين ( 1 ) ، وكان الذي ملكها
الحسن بن صباح ، أحد دعاتهم ، وكان قد دخل مصر وتعلم من الزنادقة الذين بها ، ثم صار إلى
تلك النواحي ببلاد أصبهان ، وكان لا يدعو إليه من الناس إلا غبيا جاهلا ، لا يعرف يمينه من
شماله ، ثم يطعمه العسل بالجوز والشونيز ، حتى يحرق مزاجه ويفسد دماغه ، ثم يذكر له أشياء من
أخبار أهل البيت ، ويكذب له من أقاويل الرافضة الضلال ، أنهم ظلموا ومنعوا حقهم الذي أوجبه
الله لهم ورسوله ، ثم يقول له فإذا كانت الخوارج تقاتل بني أمية لعلي ، فأنت أحق أن تقاتل في نصرة
إمامك علي بن أبي طالب ، ولا يزال يسقيه العسل وأمثاله ويرقيه حتى يستجيب له ويصير أطوع له من
أمه وأبيه ، ويظهر له أشياء من المخرقة والنيرنجيات والحيل التي لا تروج إلا على الجهال ، حتى التف
عليه بشر كثير ، وجم غفير ، وقد بعث إليه السلطان ملكشاه يتهدده وينهاه عن ذلك ، وبعث إليه
بفتاوى العلماء ، فلما قرأ الكتاب بحضرة الرسول قال لمن حوله من الشباب : إني أريد أن أرسل منكم
رسولا إلى مولاه ، فاشرأبت وجوه الحاضرين ، ثم قال لشاب منهم : اقتل نفسك ، فأخرج سكينا
فضرب بها غلصمته فسقط ميتا ، وقال لآخر منهم : ألق نفسك من هذا الموضع ، فرمى نفسه من
رأس القلعة إلى أسفل خندقها فتقطع ، ثم قال لرسول السلطان : هذا الجواب . فمنها امتنع
السلطان من مراسلته . هكذا ذكره ابن الجوزي ، وسيأتي ما جرى للسلطان صلاح الدين يوسف بن
أيوب فاتح بيت المقدس وما جرى له مع سنان صاحب الإيوان مثل هذا إن شاء الله تعالى .
وفي شهر رمضان أمر الخليفة المستظهر بالله بفتح جامع القصر وأن لا يبيض وأن يصلى فيه
التراويح وأن يجهر بالبسملة ، وأن يمنع النساء من الخروج ليلا للفرجة . وفي أول هذه السنة دخل
السلطان بركيارق إلى بغداد فخطب له بها ثم لحقه أخواه محمد وسنجر فدخلاها ( 2 ) وهو مريض فعبرا
هامش
( 1 ) وهي قلعة الموت ; وهي من نواحي قزوين ( الكامل - تاريخ أبي الفداء ) .
( 2 ) قال ابن الأثير : في السابع والعشرين من ذي الحجة .