تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلخيص الحبير ( ط العلمية ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
1855 - وَقَوْلُهُ : " رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ 1 فِي بَعْضِ الغزوات ،
هامش
1 اتفق الفقهاء على أن المسلمين إذا لم يأمنوا جانب الكافر وخافوا منه إفشاء السر للأعداء ، لا يجوز لهم الاستعانة به لا في الحرب ، لأن الاستعانة به في هذه الحالة تؤدي إلى نقيض المقصود منها ، وهو نصرة المسلمين وإعلاء كلمة الله ولا في خدمة الجيش والأعمال التمهيدية كحفر الخنادق وبناء الحصون ، وتمهيد الطرق ، وإصلاح آلات الحرب وغير ذلك . واختلفوا فيما عدا ذلك ، فذهب الإمام مالك وأحمد في رواية عنه إلى أنه يحرم الاستعانة بالكفار في الجهاد وبهذا قال ابن المنذر ، والجوزجاني ، وجماعة من أهل العلم وذهب الإمام أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد في رواية أخرى إلى جواز الاستعانة بهم وشرط الشافعي مع أمن خيانتهم كونهم بحيث لو انظم المستعان به إلى العدو قاومناهم . الأدلة : استدل المانعون بما يأتي : أولاً : ما رواه أحمد ومسلم عن عائشة قالت : خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل كانت تذكر منه جرأة ونجدة ففرح به أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين رأوه ، فلما قال : جئتك لأتبعك فأصيب معك قال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تؤمن بالله ورسوله " ؟ قال : لا ، قال : " ارجع فلن أستعين بمشرك " . قالت : ثم قضى حتى إذا كان بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة ، قال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال أول مرة فقال : لا ، قال : فارجع فلن أستعين بمشرك ، قالت : فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة تؤمن بالله ورسوله ؟ قال : نعم ، فقال له فانظلق . ثانياً : ما رواه الإمام أحمد عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال : أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يريد غزوا أنا ورجل من قومي ولم يسلم فقلنا إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهداً لا نشهده معهم ، فقال : أسلمتما ؟ فقلنا لا ، فقال : إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين فأسلمنا وشهدنا معه . ففي هذين الحديثين نفي صريح للاستعانة بعموم المشركين ، لأن لفظ مشرك نكرة في سياق النفي ولفظ المشركين في الحديث الثاني جمع معرف بأداة الاستغراق فيفيد العموم ، ولم يقبل منهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاستعانة في القتال مع شدة رغبتهم فيه حتى أسلموا . ثالثاً : إن الكافر لا يؤمن مكره وغدره لخبث طويته ، والحرب تقتضي المناصحة ، والكافر ليس من أهلها . وقد نوقش الدليلان الأولان بأنهما لا يدلان على عدم جواز الاستعانة بالمشركين ، وإنما كان رد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن رد ؛ لأنه تفرس فيهم الرغبة في الإسلام فردهم رجاء أن يسلموا ، وقد صدق الله ظنه . وقد ردت هذه المناقشة بأن الحديثين عامان في المنع من الاستعانة بمن طلب الإعانة وغيره . أدلة المجيزين : استدل المجيزون بما يأتي : أولاً : ما رواه الإمام الشافعي ، وأبو يوسف عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس قال : استعان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيهود بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم . ثانياً : ما رواه أبو داود في " مراسيله " عن الزهري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم . ثالثاً : ما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخبر قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " ستصالحون الروم صلحاً تغزون أنتم ، وهم عدوا من ورائكم " فأخبر عليه الصلاة والسلام بأن المسلمين سيحصل منهم التعاون مع الروم وإخباره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدق لا شك فيه ، ولم يذكر ما يدل على أنه ممنوع . =