حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَفِيهِ : " وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . . . " ، الْحَدِيثَ 1 .
وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ قَالَ : " مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ " 2 ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ .
وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مَسِيكٍ ، قَالَ : " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُقَاتِلْهُمْ حَتَّى تَدْعُوَهُمْ إلى الإسلام " .
هامش
= وأما من بلغتهم الدعوة فلا يجب علينا أن ندعوهم مرة أخرى ولكن يستحب فقط مبالغة في الإنذار وقطعاً لحجتهم ، وإنما لم تجب لما رواه أحمد والبخاري عن البراء بن عازب أنه قال : بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رهطاً من الأنصار إلى أبي رافع فدخل عبد الله بن عتيك بيته ليلاً فقتله وهو ثائم .
ولما روي من الإغارة على بني المصطلق وهم غازون ، ويرون أن بهذا التفصيل يمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة .
مناقشة الأدلة : أما القائلون بعدم الوجوب مطلقاً فيرد عليهم ما جاء في حديث بريدة من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ادعهم إلى الإسلام " فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمر بالدعوة والأمر ظاهر في الوجوب ، فأما القائلون بالوجوب مطلقاً فيرد عليهم ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أغار على بني المصطلق وهم غارون ، ولو كانت الدعوة واجبة مطلقاً ما أغار عليهم من غير دعوة . ولهم أن يجيبوا بأن ذلك فعل ، وهو يحتمل الخصوصية دون القول والذي نختاره هو مذهب الجمهور القائل بالتفصيل لما سبق من أن فيه جمعاً بين الأدلة ، وبأن وجوب الدعوة معلل باحتمال قبول العدو الإسلام لو عرض عليه قبل القتال وإلزامه الحجة ، فإذا سبقت الدعوة وعلمت فقد انتهت هذه العلة فينتهي حكم الوجوب بانتهائها ، ولم يبق إلا المبالغة في الإنذار فلذلك ندعوهم للإسلام وعلى ما قلنا من انتهاء الوجوب لانتهاء العلة يحمل فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إغارته على بني المصطلق وهم غافلون .
وهذا مذهب وسط ، وجدير بالاعتبار والتقديم على غيره عند المقارنة ، فلم يذهب إلى وجوب الدعوة مطلقاً ولو كانت قد بلغتهم ، لأن ذلك يضر المسلمين ويضيع عليهم فوائد كثيرة ، لأنهم لو اشتغلوا بالدعوة حينئذ ربما راوغهم الأعداء ، حتى يتحصنوا ويستعدوا للمسلمين فلا نقدر عليهم بعد ذلك ، ولم يذهب إلى عدم الوجوب مطلقاً لأن ذلك يجعل حجة الكفار قائمة علينا ، وقد يكونون مستعدين لقبول الإسلام لو عرضناه عليهم فيفوت الغرض الأصلي من الجهاد وهو نشر دين الإسلام وإذاعة تعالميمه بين الناس لهدايتهم أجمعين .
ينظر : " الجهاد " لشيخنا شحاتة محمد شحاتة .
1 أخرجه مسلم [ 6 / 279 وما بعدها - أبي ] ، كتاب الجهاد والسير : باب تأمير الإمام الأمراء على البغوث ، ووصية إياهم بآداب الغزو ، حديث [ 3 / 1731 ] ، وقد تقدم تخريج الحديث في أول هذا الباب .
2 أخرجه أحمد [ 1 / 236 ] ، والحاكم [ 1 / 15 ] .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح من حديث الثوري ولم يخرجاه ، وقد احتج مسلم بأبي نجيح والد عبد الله واسمه يسار وهو من موالي المكيين .