وبيان الحصر الَّذِي ذكره الشيخ - رحمه الله - في هذه الآيات أن قوله : { إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } ( 1 ) فيه الحصر من الطرفين ، فإنَّه اقتضى أن إنذاره مختص بمن اتبع الذكر ، وخشي الرحمن بالغيب ، فإن هذا هو المختص بقبول الإنذار والانتفاع به ، فلذلك نفي الإنذار عن غيره ، والقرآن مملوء بأن الإنذار إِنَّمَا هو للقائل له خاصة ، ويتقضي أنَّه لا يتبع الذكر ويخشى الرحمن بالغيب إلا من أنذره ، أي : من قِبَل إنذاره ، وانتفع به ، فإن اتباع الذكر وخشية الرحمن بالغيب مختصة بمن قبل الإنذار ، كما يختص قبول الإنذار والانتفاع به بأهل الخشية واتباع الذكر .
وكذلك قوله : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } ( 2 ) .
وقوله : { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا } ( 3 ) .
فإن انحصار الإنذار في أهل الخشية والإنذار ، كانحصار أهل الخشية في أهل الإنذار والذين خروا سجدًا في أهل الإيمان ، ونحو ذلك ، فكذلك قوله : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ( 4 ) .
وقد فسرها السَّلف بذلك أيضاً كما سنذكره إن شاء الله تعالى ونذكر شواهده .
وهاهنا نكتة حسنة :
وهي أن قول تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ( 4 ) قد علم أنَّه يقتضي ثبوت الخشية للعلماء ، لكن هل يقتضي ثبوتها لجنس العُلَمَاء ، كما يقال : إِنَّمَا يحج المسلمون أو لا يحج إلا مسلم ، فيقتضي ثبوت الجح لجنس المسلمين لا لكل فرد منهم ؟
ويقتضي ثبوت الخشية لكل واحد من العُلَمَاء ؟
هذا الثاني هو الصحيح ، وتقريره من جهتين :
هامش
( 1 ) يس : 11 .
( 2 ) النازعات : 45 .
( 3 ) السجدة : 15 .
( 4 ) فاطر : 28 .