ثم حدث بعد عصر الصحابة قومٌ من أهل البدع والضلال ، أدخلوا في الدين ما ليس منه وتعمَّدوا الكذب عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم .
فأقام الله - صلى الله عليه وسلم - تعالى لحفظ السنَّة أقوامًا ميَّزوا ما دخل فيها من الكذب والوهم والغلط ، وضبطوا ذلك غاية الضبط وحفظوه أشد الحفظ .
ثم صنَّف العلماءُ التصانيف في ذلك ، وانتشرت الكتبُ المؤلفة في الحديث وعلومه ، وصار اعتماد الناس في الحديث الصحيح عَلَى كتابي الإمامين أبي عبد الله البُخاري ، وأبي الحسين مُسلم بن الحجاج القُشيري - رضي الله عنهما .
واعتمادُهم بعد كتابيهما عَلَى بقيّة الكُتب الستة خصوصًا سُنن أبي داود وجامع أبي عيسى وكتاب النسائي ثم كتاب ابن ماجة .
وقد صُنّف في الصحيح مصنفات أخر بعد صحيحي الشيخين ، لكن لا تبلغ مبلغ كتابي الشيخين .
ولهذا أنكر العُلَمَاءُ عَلَى من استدرك عليهما الكتاب الَّذِي سمَّاه المستدرك .
وبالغ بعضُ الحفَّاظ فزعم أنه ليس فيه حديث واحد عَلَى شرطهما .
وخالفه غيرهُ ، وقال : يصفو منه حديثٌ كثير صحيح . والتحقيق : أنَّه يصفو منه صحيحٌ كثير عَلَى غير شرطهما ؛ بل عَلَى شرط أبي عيسى ونحوه ، وأما عَلَى شرطهما فلا .
فقلَّ حديثٌ تركاه إلا وله علةٌ خفية ؛ لكن لعزة من يعرف العلل كمعرفتهما وينقده ، وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الأعصار المُتباعدة : صار الأمر في ذلك إِلَى الاعتماد عَلَى كتابيهما ، والوثوق بهما والرجوع إليهما ، ثم بعدهما إِلَى بقية الكتب المُشار إليها .
ولم يُقبل من أحد بعد ذلك الصحيحُ والضعيف إلا عمَّن اشتُهر حذقه ومعرفته بهذا الفن واطلاعُه عليه ، وهم قليل جدًّا .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 622
مساهمون: عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي )
ص٦٢٢