تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 621

مساهمون:

ص٦٢١
وإذا كان عُمر قد أنكر عَلَى هشام بن حكيم بن حزام عَلَى عهد النبي صلى الله عليه وسلم في آيةٍ أشدُّ الإنكار ، وأبيُّ بن كعب حصل له بسبب اختلاف القرآن ما أخبر به عن نفسه من الشك ، وبعض من كان يكتبُ الوحي للنبي - صلى الله عليه وسلم - ممن لم يرسخ الإيمانُ في قلبه ارتد ، بسبب ذلك حتى مات مرتدًّا . هذا كلُّه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف الظن بالأمّة بعده أنْ لو بقي الاختلافُ في ألفاظ القرآن بينهم . فلهذا ترك جمهورُ علماء الأمة القراءة بما عدا هذا الحرف الَّذِي جمع عثمان عليه المسلمين ، ونهوا عن ذلك . ورخَّص فيه نفرٌ منهم ( 1 ) ، وحُكي رواية عن أحمد ومالك مع اختلاف عنهما عَلَى ذلك به في الصلاة وغيرها أم خارج الصلاة فقط . وبكل حال : فلا تختلف الأمة أنه لو قرأ أحدٌ بقراءة ابن مسعود ونحوها مما يخالف هذا المُصحف المجتمع عليه ، وادَّعى أنَّ ذلك الحرف الَّذِي قرأ به هو حرف زيد بن ثابت الَّذِي جمع عليه عثمانُ الأمَّة ، أو أنَّه أولى بالقراءة من حرف زيد : لكان ظالمًا متعديًا مستحقًّا للعقوبة . وهذا لا يختلف فيه اثنان من المسلمين . إِنَّمَا محل الخلاف : إذا قرأ بحرف ابن مسعود ونحوه مع اعترافه أنَّه حرفُ ابن مسعود المخالف لمصحف عثمان رضي الله عنه . وأما سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم : فإنَّها كانت في الأمة تُحفظ في الصدور كما يُحفظ القرآن ، وكان من العُلَمَاء من يكتبها كالمصحف ، ومنهم من ينهى عن كتابتها . ولا ريب أنَّ الناس يتفاوتون في الحفظ والضبط تفاوتًا كبيرًا .
هامش
( 1 ) منهم ابن مسعود - رضي الله عنه - ( 3103 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وابن أبي داود في " المصاحف " كما في " الفتح " ( 9 / 19 ) عن أنس .