وأمَّا سائر الناس ، فإنَّهم يعوَّلون عَلَى هذه الكتب المشار إليها ، ويكتفون بالعزو إليها .
وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام ؛ فلا ريب أنَّ الصحابة والتابعين ومن بعدهم اختلفوا في كثيرٍ من هذه المسائل اختلافًا كثيرًا ، وكان في الأعصار ( المتقدمة ) ( * ) كلُّ من اشتُهر بالعلم والدين يفتي بما ظهر له أنَّه الحق في هذه المسائل ، مع أنَّه لم يخل من كان يشذ منهم عن الجمهور عن إنكار العُلَمَاء عليه .
كما كان يُنكر عَلَى ابن عباس رضي الله عنه مسائل متعددة تفرَّد بها ( 1 ) .
وأُنكر ذلك عَلَى أتباعه أشدُّ من الإنكار عليه ، حتى كان ابنُ جُريج لما قدم البصرة ، إذا رآه الناسُ دخل المسجد الجامع رفعوا أيديهم ودعوا الله عليه ؛ لشذوذه بتلك المسائل التي تلقَّى عن أصحاب ابن عباس ، حتى أنَّه رجع عن بعضها قبل أن يخرج من عندهم . وهذا مع أنَّ الناس حينئذٍ كان الغالبُ عليهم الدين والورع .
فكان ذلك يُريحهم عن أن يتكلَّم أحدُهم بغير علم ، أو ينصب نفسه للكلام ، وليس هو لذلك بأهل .
ثم قلَّ الدينُ والورع ، وكثرُ من يتكلم في الدين بغير علم ، ومن ينصب نفسه لذلك وليس هو له بأهل .
فلو استمر الحالُ في هذه الأزمان المتأخِّرة عَلَى ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أنَّ كلَّ أحدٍ يُفتي بما يدَّعي أنَّه يظهر له أنَّه الحق ؛ لاختل به نظامُ الدين لا محالة ، ولصار الحلالُ حرامًا والحرام حلالاً .
ولقال كلُّ من شاء ما يشاء ، ولصار دينُنا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا .
هامش
( * ) المتقادمة : " نسخة " .
( 1 ) كقوله في الربا والمتعة .