البداية والنهاية — صفحة 95
هجر ، فجهز الخليفة إليهم جيشا كثيفا وأمر عليهم العباس بن عمرو الغنوي ، وأمر على اليمامة والبحرين ليحارب أبا سعيد هذا ، فالتقوا هنالك وكان العباس في عشرة آلاف مقاتل ، فأسرهم أبو سعيد كلهم ( 1 ) ولم ينج منهم إلا الأمير وحده ، وقتل الباقون عن آخرهم صبرا بين يديه قبحه الله . وهذا عجيب جدا ، وهو عكس واقعة عمرو بن الليث فإنه أسر من بين أصحابه وحده ونجوا كلهم وكانوا خمسين ألفا . ويقال إن العباس لما قتل أبو سعيد أصحابه صبرا بين يديه وهو ينظر ، وكان في جملة من أسر أقام عند أبي سعيد أياما ثم أطلقه وحمله على رواحل وقال : ارجع إلى صاحبك وأخبره بما رأيت . وقد كانت هذه الواقعة في أواخر شعبان منها ( 2 ) ، فلما وقع هذا الامر الفظيع انزعج الناس لذلك انزعاجا عظيما جدا ، وهم أهل البصرة بالخروج منها فمنعهم من ذلك نائبها أحمد الواثقي . وفيها أغارت الروم على بلاد طرسوس وكان نائبها ابن الاخشيد قد توفي في العام الماضي واستخلف على الثغر أبا نابت ، فطمعت الروم في تلك الناحية وحشدوا عساكرهم ، فالتقى بهم أبو ثابت فلم يقدر على مقاومتهم ، فقتلوا من أصحابه جماعة وأسروه فيمن أسروا ، فاجتمع أهل الثغر على ابن الأعرابي فولوه أمرهم . وذلك في ربيع الآخر . وفيها قتل : محمد بن زيد العلوي أمير طبرستان والديلم . وكان سبب ذلك أن إسماعيل الساماني لما ظفر بعمرو بن الليث ظن محمد أن إسماعيل لا يجاوز عمله ، وأن خراسان قد خلت له ، فارتحل من بلده يريد خراسان ، وسبقه إسماعيل إليها ، وكتب إليه أن الزم عملك ولا تتجاوزه إلى غيره فلم يقبل ، فبعث إليه جيشا مع محمد بن هارون الذي كان ينوب عن رافع بن هرثمة ، فلما التقيا هرب منه محمد بن هارون خديعة ، فسار الجيش وراءه في الطلب فكر عليهم راجعا فانهزموا منه فأخذ ما في معسكرهم وجرح محمد بن زيد جراحات شديدة فمات بسببها بعد أيام ، وأسره ولده زيد فبعث به إلى إسماعيل بن أحمد فأكرمه وأمر له بجائزة . وقد كان محمد بن زيد هذا فاضلا دينا حسن السيرة فيما وليه من تلك البلاد ، وكان فيه تشيع . تقدم إليه يوما خصمان اسم أحدهما معاوية واسم الآخر علي ، فقال محمد بن زيد إن الحكم بينكما ظاهر ، فقال معاوية : أيها الأمير لا تغترن بنا ، فإن أبي كان من كبار الشيعة ، وإنما سماني معاوية مداراة لمن ببلدنا من أهل السنة . وهذا كان أبوه من كبار النواصب فسماه عليا تقاة لكم ، فتبسم محمد بن زيد وأحسن إليهما . ( 1 ) في الطبري 11 / 368 ومروج الذهب 4 / 299 : أسر وقتل من أصحابه نحو سبعمائة صبرا . وفي ابن الأثير 7 / 499 : قتل الاسرى جميعا وحرقهم . ( 2 ) قال الطبري : كنت الوقعة في آخر رجب وورد خبرها إلى بغداد لأربع خلون من شعبان . وفي مروج الذهب : كانت في رجب .