ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين
فيها ولى الخليفة المعتمد ليعقوب بن الليث بلخ وطخارستان وما يلي ذلك من كرمان وسجستان
السند وغيرها . وفي صفر منها عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن
أضاف إليه في رمضان نيابة بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز وفارس ، وأذن له أن
يسيب في ذلك كله . وفيها تواقع سعيد الحاجب وصاحب الزنج في أراضي البصرة فهزمه سعيد
الحاجب واستنقذ من يده خلقا من النساء والذرية ، واسترجع منه أموالا جزيلة . وأهان الزنج غاية
الإهانة . ثم إن الزنج بيتوا سعيدا وجيشه فقتلوا منهم خلقا كثيرا ويقال إن سعيد بن صالح قتل أيضا .
ثم إن الزنج التقوا هم ومنصور بن جعفر الخياط في جيش كثيف فهزمهم صاحب الزنج المدعي أنه
طالبي ، وهو كاذب . قال ابن جرير : وفيها ظفر ببغداد بموضع يقال له بركة زلزل برجل خناق قد قتل
خلقا من النساء كان يؤلف المرأة ثم يخنقها ويأخذ ما عليها ، فحمل إلى المعتمد فضرب بين يديه بألفي
سوط وأربعمائة ، فلم يمت حتى ضربه الجلادون على أنثييه بخشب العقابين فمات ، ورد إلى بغداد
وصلب هناك ، ثم أحرقت جثته . وفي ليلة الرابع عشر من شوال من هذه السنة كسف القمر وغاب
أكثره . وفي صبيحة هذا اليوم دخل جيش الخبيث الزنجي إلى البصرة قهرا فقتل من أهلها خلقا وهرب
نائبها بغراج ومن معه ، وأحرقت الزنج جامع البصرة ودورا كثيرة ، وانتهبوها ثم نادى فيهم
إبراهيم بن المهلبي أحد أصحاب الزنجي الخارجي : من أراد الأمان فليحضر . فاجتمع عنده خلق
كثير من أهل البصرة فرأى أنه قد أصاب فرصة فغدر بهم وأمر بقتلهم ، فلم يفلت منهم إلا الشاذ :
كانت الزنج تحيط بجماعة من أهل البصرة ثم يقول بعضهم لبعض : كيلوا - وهي الإشارة بينهم إلى
القتل - فيحملون عليهم بالسيوف فلا يسمع إلا قول أشهد أن لا إله إلا الله ، من أولئك المقتولين
وضجيجهم عند القتل - أي صراخ الزنج وضحكهم - فإنا لله وإنا إليه راجعون . وهكذا كانوا يفعلون
في كل محال البصرة في عدة أيام نحسات ، وهرب الناس منهم كل مهرب ، وحرقوا الكلأ من الجبل إلى
الجبل ، فكانت النار تحرق ما وجدت من شئ من إنسان أو بهيمة أو اتار أو غير ذلك ، وأحرقوا المسجد
الجامع وقد قتل هؤلاء جماعة كثيرة من الأعيان والأدباء والفضلاء والمحدثين والعلماء . فإنا لله وإنا إليه
راجعون . وكان هذا الخبيث قد أوقع في أهل فارس وقعة عظيمة ، ثم بلغه أن أهل البصرة قد جاءهم
من الميرة شئ كثير وقد اتسعوا بعد الضيق فحسدهم على ذلك ، فروى ابن جرير عن من سمعه
يقول : دعوت الله على أهل البصرة فخوطبت فقيل : إنما أهل البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها ،
فإذا انكسر نصف الرغيف خربت البصرة فأولت الرغيف القمر وانكساره انكسافه ، وقد كان هذا
شائعا في أصحابه حتى وقع الامر طبق ما أخبر به . ولا شك أن هذا كان معه شيطان يخاطبه ، كما كان
يأتي الشيطان مسيلمة وغيره . قال : ولما وقع ما وقع من الزنج بأهل البصرة قال هذا الخبيث لمن معه :
إني صبيحة ذلك دعوت الله على أهل البصرة فرفعت لي البصرة بين السماء والأرض ورأيت أهلها
يقتلون ورأيت الملائكة تقاتل مع أصحابي وإني لمنصور على الناس والملائكة تقاتل معي ، وتثبت