تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١

البلدان التي أمكنته الرحلة إليها ، وكتب عن أكثر من ألف شيخ ( 1 ) . وروى عنه خلائق وأمم . وقد روى الخطيب البغدادي عن الفربري أنه قال : سمع الصحيح من البخاري معي نحو من سبعين ألفا لم يبق منهم أحد غيري . وقد روى البخاري من طريق الفربري كما هي رواية الناس اليوم من طريقه ، وحماد بن شاكر وإبراهيم بن معقل وطاهر بن مخلد . وآخر من حدث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البردي النسفي ، وقد توفي النسفي هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة . ووثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا . وممن روى عن البخاري مسلم في غير الصحيح ، وكان مسلم يتلمذ له ويعظمه ، وروى عنه الترمذي في جامعه ، والنسائي في سننه في قول بعضهم . وقد دخل بغداد ثمان مرات ، وفي كل منها يجتمع بالامام أحمد فيحثه أحمد على المقام بغداد ويلومه على الإقامة بخراسان . وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره ثم يطفئ سراجه ، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة . وقد كان أصيب بصره وهو صغير فرأت أمه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فقال : يا هذه قد رد الله على ولدك بصره بكثرة دعائك ، أو قال بكائك ، فأصبح وهو بصير . وقال البخاري : فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت لي مصنفات نحوا من مائتي ألف حديث مسندة . وكان يحفظها كلها . ودخل مرة إلى سمرقند فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها ، فركبوا أسانيد وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق ، وخلطوا الرجال في الأسانيد وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها ، ثم قرأوها على البخاري فرد كل حديث إلى إسناده ، وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها ، وما تعنتوا عليه فيها ، ولم يقدروا أن يعلفوا عليه سقطة في إسناد ولا متن . وكذلك صنع في بغداد وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظه من نظرة واحدة . والاخبار عنه في ذلك كثيرة . وقد اثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه . فقال الإمام أحمد : ما أخرجت خراسان مثله . وقال علي بن المديني : لم ير البخاري مثل نفسه . وقال إسحاق بن راهويه : لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث ومعرفته وفقهه . وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير : ما رأينا مثله . وقال علي بن حجر : لا أعلم مثله . وقال محمود بن النظر بن سهل الشافعي . دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فضلوه على أنفسهم . وقال أبو العباس الدعولي : كتب أهل بغداد إلى البخاري : المسلمون بخير ما حييت لهم * وليس بعدك خير حين تفتقد وقال الفلاس : كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث . وقال أبو نعيم أحمد بن حماد : هو فقيه هذه الأمة . وكذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي . ومنهم من فضله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه . وقال قتيبة بن سعيد : رحل إلى من شرق الأرض وغربها .

هامش
( 1 ) قال في صفة الصفوة عن البخاري : لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر
البداية والنهاية — صفحة 31 | ابن كثير / علي شيري