وأربعين ( 1 ) سنة ، وقبل موته بسنة قسم ملكه بين أولاده كما ذكرنا ، وقد عمل ابن العميد مرة ضيافة في داره وكانت حافلة حضرها ركن الدولة وبنوه وأعيان الدولة ، فعهد ركن الدولة في هذا اليوم إلى ابنه عضد الدولة وخلع عضد الدولة على إخوته وسائر الأمراء الأقبية والأكسية على عادة الديلم ، وحفوه بالريحان على عادتهم أيضا ، وكان يوما مشهودا . وقد كان ركن الدولة قد أسن وكبر وتوفي بعد هذه الوليمة بقليل في هذه السنة ، وكان حليما وقورا كثير الصدقات محبا للعلماء فيه بر وكرم وإيثار ، وحسن عشرة ورياسة ، وحنو على الرعية وعلى أقاربه . وحين تمكن ابنه عضد الدولة قصد العراق ليأخذها من ابن عمه بختيار لسوء سيرته ورداءة سريرته ، فالتقوا في هذه السنة بالأهواز فهزمه عضد الدولة وأخذ أثقاله وأمواله ، وبعث إلى البصرة فأخذها وأصلح بين أهلها حيي ربيعة ومضر ، وكان بينهما خلف متقادم من نحو مائة وعشرين سنة ، وكانت مضر تميل إليه وربيعة عليه ، ثم اتفق الحيان عليه وقويت شوكته ، وأذل بختيار وقبض على وزيره ابن بقية لأنه استحوذ على الأمور دونه ، وجبى الأموال إلى خزائنه ، فاستظهر عضد الدولة بما وجده في الخزائن والحواصل لابن بقية ولم يبق له منها بقية . وكذلك أمر عضد ( 2 ) الدولة بالقبض على وزير أبيه أبي الفتح بن العميد لموجدة تقدمت منه إليه ، وقد سلف ذكرها . ولم يبق لا بن العميد أيضا في الأرض بقية ، وقد كانت الأكابر تتقيه . وقد كان ابن العميد من الفسوق والعصيان بأوفر مكان ، فخانته المقادير ونزل به غضب السلطان ، ونحن نعوذ بالله من غضب الرحمن . وفي منتصف شوال منها توفي الأمير منصور بن نوح الساماني صاحب بلاد خراسان وبخاري وغيرها ، وكانت ولايته خمس عشرة سنة ، وقام بالامر من بعده ولده أبو القاسم نوح ، وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة ، ولقب بالمنصور . وفيها توفي الحاكم وهو المستنصر بالله بن الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي ، وقد كان هذا من خيار الملوك وعلمائهم ، وكان عالما بالفقه والخلاف والتواريخ محبا للعلماء محسنا إليهم . توفي وله من العمر ثلاث وستون سنة وسبعة أشهر ، ومدة خلافته منها خمس عشرة ( 3 ) سنة وخمسة أشهر ، وقام بالامر من بعده ولده هشام وله عشر سنين ولقب بالمؤيد بالله ، وقد اختلف عليه في أيامه واضطربت الرعايا عليه وحبس مدة ثم أخرج وأعيد إلى الخلافة ، وقام بأعباء أمره حاجبه المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر المغافري ، وابناه المظفر والناصر ، فساسوا الرعاية جيدا وعدلا فيهم وغزوا الأعداء واستمر لهم الحال كذلك نحوا من ست وعشرين سنة . وقد ساق ابن الأثير هنا قطعة من أخبارهم وأطال . .
البداية والنهاية — صفحة 323
مساهمون: ابن كثير
ص٣٢٣
هامش
( 1 ) في الكامل وأبي الفداء : أربعا وأربعين .
( 2 ) من الكامل 8 / 675 والعبر 3 / 431 وفي الأصل : ركن الدولة وهو تحريف .
( 3 ) من الكامل : وفي الأصل خمسة عشر وهو خطأ . وفي العبر 4 / 146 : ست عشرة سنة