تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦

فكان ذلك عما قريب . وفي جمادى الآخرة نادى ابن الحرسي ( 1 ) صاحب الشرطة في الجانبين من بغداد أن لا يجتمع اثنان من أصحاب أبي محمد البربهاري الواعظ الحنبلي . وحبس من أصحابه جماعة ، واستتر ابن البربهاري فلم يظهر مدة . قال ابن الجوزي في المنتظم : وفي شهر أيار تكاثفت الغيوم واشتد الحر جدا ، فلما كان آخر يوم منه - وهو الخامس والعشرين من جمادى الآخرة منها - هاجت ريح شديدة جدا وأظلمت الأرض واسودت إلى بعد العصر ، ثم خفت ثم عادت إلى بعد عشاء الآخرة . وفيها استبطأ الأجناد أرزاقهم فقصدوا دار الوزير أبي علي بن مقلة فنقبوها وأخذوا ما فيها . ووقع حريق عظيم في طريق الموازين ، فاحترق للناس شئ كثير ، فعوض عليهم الراضي بعض ما كان ذهب لهم . وفي رمضان اجتمع جماعة من الأمراء على بيعة جعفر بن المكتفي ، فظهر الوزير على أمرهم فحبس جعفر ونهبت داره ، وحبس جماعة ممن كان بايعه ، وانطفأت ناره . وخرج الحجاج في غفارة الأمير لؤلؤ فاعترضهم أبو طاهر القرمطي فقتل أكثرهم ورجع من انهزم منهم إلى بغداد ، وبطل الحج في هذه السنة من طريق العراق . قال ابن الجوزي : وفيها تساقطت كواكب كثيرة ببغداد والكوفة على صورة لم ير مثلها ، ولا ما يقاربها ، وغلا السعر في هذه السنة حتى بيع الكر من الحنطة بمائة وعشرين دينارا . وفيها على الصحيح كان مقتل مرداويج بن زياد الديلمي ، وكان قبحه الله سئ السيرة والسريرة ، يزعم أن روح سليمان بن داود حلت فيه ، وله سرير من ذهب يجلس عليه والأتراك بين يديه ، ويزعم أنهم الجن الذين سخروا لسليمان بن داود ، وكان يسئ المعاملة لجنده ويحتقرهم غاية الاحتقار ، فما زال ذلك دأبه حتى أمكنهم الله منه فقتلوه شر قتلة في حمام ، وكان الذي مالا على قتله غلامه بجكم التركي ، وكان ركن الدولة بن بويه رهينة عنده فأطلق لما قتل ، فذهب إلى أخيه عماد الدولة ، وذهبت طائفة من الأتراك معه إلى أخيه ، والتفت طائفة منهم على بجكم فسار بهم إلى بغداد بإذن الخليفة له في ذلك ، ثم صرفوا إلى البصرة فكانوا بها . وأما الديلم فإنهم بعثوا إلى أخي مرداويج وهو وشمكير ، فلما قدم عليهم تلقوه إلى أثناء الطريق حفاة مشاة فملكوه عليهم لئلا يذهب ملكهم ، فانتدب إلى محاربته الملك السعيد نصر بن أحمد الساماني نائب خراسان وما وراء النهر ، وما والاها من تلك البلاد والأقاليم ، فانتزع منه بلدانا هائلة . وفيها بعث القائم بأمر الله الفاطمي جيشا من إفريقية في البحر إلى ناحية الفرنج فافتتحوا مدينة جنوه وغنموا غنائم كثيرة وثروة . ورجعوا سالمين غانمين . وفيها بعث عماد الدولة إلى أصبهان فاستولى عليها وعلى بلاد الجبل واتسعت مملكته جدا . وفيها كان غلاء شديد بخراسان ، ووقع بها فناء كثير ، بحيث كان يهمهم أمر دفن الموتى . وفيها قتل ناصر الدولة أبو الحسن بن حمدان نائب الموصل عمه أبا العلاء سعيد بن حمدان لأنه أراد أن ينتزعها منه ، فبعث إليه الخليفة وزيره أبا علي بن مقلة في جيوش ، فهرب منه ناصر الدولة ، فلما طال مقام ابن مقلة بالموصل ولم يقدر على ناصر الدولة رجع إلى بغداد ، فاستقرت يد ناصر الدولة على الموصل . وبعث به إلى الخليفة أن يضمنه تلك الناحية ، فأجيب إلى ذلك ، واستمر الحال على ما كان . وخرج .

هامش
( 1 ) في الكامل 8 / 307 : بدر الخرشني
البداية والنهاية — صفحة 206 | ابن كثير / علي شيري