البداية والنهاية — صفحة 203
رأس الحجبة بجميع جند بغداد ، فاقتتلوا فخرج في بعض الأيام هارون بن غريب يتقصد لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت فتقنطر به فرسه فألقاه في نهر ، فضربه غلامه حتى قتله وأخذ رأسه حتى جاء به إلى محمد بن ياقوت ، وانهزم أصحابه ورجع ابن ياقوت فدخل بغداد ورأس هارون بن غريب يحمل على رمح ، ففرح الناس بذلك ، وكان يوما مشهودا . وفيها ظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر بن علي الشلمغاني ، ويقال له أبن العرافة ( 1 ) ، فذكروا عنه أنه يدعي ما كان يدعيه الحلاج من الإلهية ، وكانوا قد قبضوا عليه في دولة المقتدر عند حامد بن العباس ، واتهم بأنه يقول بالتناسخ فأنكر ذلك . ولما كانت هذه المرة أحضره الراضي وادعى عليه بما كان ذكر عنه فأنكر ثم أقر بأشياء ، فأفتى قوم أن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة ، فأبى أن يتوب ، فضرب ثمانين سوطا ، ثم ضربت عنقه وألحق بالحلاج ، وقتل معه صاحبه ابن أبي عون لعنه الله . وكان هذا للعين من جملة من أتبعه وصدقه فيما يزعمه من الكفر . وقد بسط ابن الأثير في كامله مذهب هؤلاء الكفرة بسطا جيدا ، وشبه مذهبهم بمذهب النصيرية . وادعى رجل آخر ببلاد الشاش النبوة وأظهر المخاريق وأشياء كثيرة من الحيل ، فجاءته الجيوش فقاتلوه ، وانطفأ أمره . وفاة المهدي صاحب أفريقية وفيها كان موت المهدي صاحب إفريقية أول خلفاء الفاطميين الأدعياء الكذبة ، وهو أبو محمد عبيد الله المدعي أنه علوي ، وتلقب بالمهدي ، وبنى المهدية ومات بها عن ثلاث وستين سنة ، وكانت ولايته - منذ دخل رقادة وادعى الإمامة - أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما . وقد كان شهما شجاعا ، ظفر بجماعة ممن خالفه وناوأه وقاتله وعاداه ، فلما مات قام بأمر الخلافة من بعده ولده أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله . وحين توفي أبوه كتم موته سنة حتى دبر ما أراده من الأمور ، ثم أظهر ذلك وعزاه الناس فيه . وقد كان كأبيه شهما شجاعا : فتح البلاد وأرسل السرايا إلى بلاد الروم ، ورام أخذ الديار المصرية فلم يتفق له ذلك ، وإنما أخذ الديار المصرية ابن ابنه المعز الفاطمي باني القاهرة المعزية كما سنذكره إن شاء الله . قال ابن خلكان في الوفيات : وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافا كثيرا جدا ، فقال صاحب تاريخ القيروان : هو عبيد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . وقال غيره : هو عبيد الله بن التقي وهو الحسين بن الوفي بن أحمد بن الرضي ، وهو عبد الله هذا ، وهو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق . وقيل غير ( 1 ) في الكامل 8 / 290 ابن أبي القراقر ، وفي الفرق بين الفرق 199 : ابن أبي العذافر والشلمغاني : نسبة إلى شلمغان قرية بنواحي واسط .