تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤

القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد ، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة ، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرام إلحادا بالغا عظيما ، وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين ، بما تبين من كتاب الله وسنة رسوله ، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة ، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الابصار ، والله سبحانه يمهل ويملي ويستدرج ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " ( 1 ) ثم قرأ قوله تعالى ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار ) [ إبراهيم : 42 ] وقال ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد . متاع قليل ثم مأواهم جنهم وبئس المهاد ) [ آل عمران : 196 ] وقال ( نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) [ لقمان : 24 ] وقال : ( متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) [ يونس : 70 ] . وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروذي الحنبلي ، وبين طائفة من العامة ، اختلفوا في تفسير قوله تعالى ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) [ الاسراء : 79 ] فقالت الحنابلة : يجلسه معه على العرش . وقال الآخرون : المراد بذلك الشفاعة العظمى ، فاقتتلوا بسبب ذلك وقتل بينهم قتلى ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد ثبت في صحيح البخاري أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى ، وهي الشفاعة في فصل القضاء بين العباد ، وهو المقام الذي يرغب إليه في الخلق كلهم ، حتى إبراهيم ، ويغبطه به الأولون والآخرون . وفيها وقعت فتنة بالموصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش ، وانتشرت وكثر أهل الشر فيها واستظهروا ، وجرت بينهم شرور ثم سكنت . وفيها وقعت فتنة ببلاد خراسان بين بني ساسان وأمير هم نصر بن أحمد الملقب بسعيد ( 2 ) ، وخرج في شعبان خارجي بالموصل ( 3 ) . وخرج آخر بالبوازيج ( 4 ) ، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن شرهم وتفرق أصحابهم . وفيها التقى مفلح الساجي وملك الروم الدمستق ، فهزمه مفلح وطرد وراءه إلى أرض الروم ، وقتل منهم خلقا كثيرا وفيها هبت ريح شديدة ببغداد تحمل رمادا أحمر يشبه رمل أرض الحجاز . فامتلأت منه البيوت . وفيها توفي من الأعيان : أحمد بن الحسن بن الفرج بن سفيان ( 5 ) أبو بكر النحوي ، كان عالما بمذهب الكوفيين وله فيه تصانيف . .

هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة ( 11 ) باب ( 5 ) . ومسلم في البر والصلة ح ( 62 ) والترمذي في التفسير - تفسير سورة ( 8 ) باب ( 6 ) . ( 2 ) قال ابن الأثير 8 / 208 : الصحيح ان ذلك كان سنة 318 ه‍ . ( 3 ) ويعرف بابن مطر قاتله وأسره ناصر الدولة بن حمدان ( الكامل 8 / 214 ) . ( 4 ) وهو محمد بن صالح . ( 5 ) في ابن الأثير 8 / 215 : ابن سقير