تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
بلاده ومعه الحجر وأموال الحجيج . وقد ألحد هذا اللعين في المسجد الحرام إلحادا لم يسبقه إليه أحدا ولا يلحقه فيه ، وسيجاريه على ذلك الذي لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه أحد . وإنما حمل هؤلاء على هذا الصنيع أنهم كفار زنادقة ، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنة ببلاد إفريقية من أرض المغرب ، ويلقب أمير هم بالمهدي ، وهو أبو محمد عبيد الله بن ميمون القداح . وقد كان صباغا بسلمية ، وكان يهوديا فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلاد إفريقية ، فادعى أنه شريف فاطمي ، فصدقه على ذلك طائفة كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة ، وصارت له دولة ، فملك مدينة سجلماسة ، ثم ابتنى مدينة وسماها المهدية ، وكان قرار ملكه بها ، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه ، ويترامون عليه ، ويقال إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة ودولة لا حقيقة له . وذكر ابن الأثير أن المهدي هذا كتب إلى أبي طاهر يلومه على ما فعل بمكة حيث سلط الناس على الكلام فيهم ، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح ، وأمره برد ما أخذه منها ، وعوده إليها . فكتب إليه بالسمع والطاعة ، وأنه قد قبل ما أشار إليه من ذلك . وقد أسر بعض أهل الحديث في أيدي القرامطة ، فمكث في أيديهم مدة ، ثم فرج الله عنه ، وكان يحكي عنهم عجائب من قلة عقولهم وعدم دينهم ، وأن الذي أسره كان يستخدمه في أشق الخدمة وأشدها وكان يعربد عليه إذا سكر . فقال لي ذات ليلة وهو سكران : ما تقول في محمدكم ؟ فقلت : لا أدري . فقال : كان سائسا . ثم قال : ما تقول في أبي بكر ؟ فقلت : لا أدري . فقال : كان ضعيفا مهينا . وكان عمر فظا غليظا . وكان عثمان جاهلا أحمق . وكان علي ممخرقا ليس كان عنده أحد يعلمه ما ادعى أنه في صدره من العلم ، أما كان يمكنه أن يعلم هذا كلمة وهذا كلمة ؟ . ثم قال : هذا كله مخرقة . فلما كان من الغد قال : لا تخبر بهذا الذي قلت لك أحدا . ذكره ابن الجوزي في منتظمه . وروي عن بعضهم أنه قال : كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف ، فحمل على رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطي ، ثم قال : يا حمير ، - ورفع صوته بذلك - أليس قلتم في بيتكم هذا ( ومن دخله كان آمنا ) [ آل عمران : 97 ] فأين الامن ؟ قال : فقلت له : اسمع جوابك . قال : نعم . قلت : إنما أراد الله : فأمنوه . قال فثنى رأسه فرسه وانصرف . وقد سأل بعضهم ههنا سؤالا . فقال : قد أحل الله سبحانه بأصحاب الفيل - وكانوا نصارى - ما ذكره في كتابه ، ولم يفعلوا بمكة شيئا مما فعله هؤلاء ، ومعلوم أن القرامطة شر من اليهود والنصارى والمجوس ، بل ومن عبدة الأصنام ، وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد ، فهلا عوجلوا بالعذاب والعقوبة ، كما عوجل أصحاب الفيل ؟ وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارا لشرف البيت ، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم ، من البلد الذي فيه البيت الحرام ، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعا عاجلا ، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله ، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله . وأما هؤلاء