قال بعض السلف : لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل ؟ !
يشير إِلَى قوله تعالى : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } ( 1 ) .
ولهذا قال من قال من الصحابة : لو علمت أن الله قبل مني ركعتين ، كان أَحَبّ إليّ من كذا وكذا .
فمن اتقى الله في العمل قبله منه ، ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه .
والتقوى في العمل أن يأتي به عَلَى وجه إكمال واجباته الظاهرة والباطنة ، وإن ارتقى إِلَى الإتيان بآدابه وفضائله كان أكمل .
والقبول هنا يراد به : الرضا بالعمل ، والمدح لعامله ، والثناء عليه في الملأ الأعلى ، ومباهاة الملائكة .
وقد يراد بالقبول الثواب عَلَى العمل ، وإن لم يرض به ، ولم يمدح عامله ، فيجازى عليه بأنواع من الجزاء ، فضلاً من الله وإحسانًا ، وإن لم يرض عن عامله .
كما رُئي بعض العُلَمَاء المفرطين في النوم ، فسئل عن حاله فَقَالَ : غفر لي ، وأعرض عني وعن جماعة من العُلَمَاء لم يعملوا بعلمهم .
ويطلق القبول عَلَى إسقاط الفرض بالعمل ، وإن لم يثب عليه بثواب غير سقوط العقوبة ، والمطالبة بأداء الفرض به .
والعارفون كلهم إِنَّمَا يطلبون القبول بالوجه الأول - وهو الرضا - ويخافون من فواته أشد الخوف .
قال مالك بن دينار : وددت أن الله إذا جمع الخلائق يقول لي : يا مالك .
فأقول : لبيك . فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة ، فأعرف أنه قد رضي عني ، ثم يقول لي : يا مالك كن اليوم ترابًا ، فأكون ترابًا .
هامش
( 1 ) المائدة : 27 .