تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
الآخرة أعز من الكبريت الأحمر ، فكيف يكون حالهم بين أهل الدُّنْيَا ؟ ! وتخفى أحوالهم غالبًا عَلَى الفريقين كما قال القائل : تورايت من دهري بظلٍّ جناحه . . . فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت . . . وأين مكاني ما عرفن مكاني ومن ظهر منهم للناس ، فهو بينهم ببدنه ، وقلبه معلق بالملأ الأعلى ، كما قال أمير المؤمنين في وصفهم ، وكما قيل : جسمي معي غير أن الروح عندكم . . . فالجسم في غربة والروح في وطن وكانت رابعة تنشد في هذا المعنى : ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي . . . وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانسٌ . . . وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وأكثرهم لا يقوى عَلَى مخالطة الخلق ، فهو يفر إِلَى الخلوة بحبيبه ، ولهذا كان أكثرهم يطيل الوحدة . قيل لبعضهم : ألا تستوحش ؟ قال : كيف أستوحش وهو يقول : أنا جليس من ذكرني ؟ ! وقال آخر : وهل يستوحش مع الله أحد ؟ وعن بعضهم : من استوحش من وحدته فذاك لقلة أنسه بربه . كان يحيى بن معاذ كثير العزلة والانفراد ، فعاتبه أخوه فَقَالَ له : إِن كنت من الناس فلابد لك من الناس ، فَقَالَ يحيى : إِن كنت من الناس ، فلا بد لك من الله . وقِيلَ لَهُ : إذا هجرت الخلق مع من تعيش ؟ قال : مع من هجرتهم له . وأنشد إبراهيم بن أدهم في هذا المعنى : هجرت الخلق طرًّا في هواكا . . . وأيتمت العيال لكي أراكا فلو قطعتني في الحب إربًا . . . لما حنَّ الفؤاد إِلَى سواكا