تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - نوعان : أمر ظاهر يعمل بالجوارح ، كالصلاة والصيام والحج والجهاد ونحو ذلك ، وأمر باطن يقوم به القلب ، كالإيمان بالله ومعرفته ، ومحبته وخشيته ، وإجلاله وتعظيمه ، والرضا بقضائه والصبر عَلَى بلائه ، فهذا كله لا يؤخذ إلا ممن عرف الكتاب والسنة ، ومن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا نقتدي به في علمنا ، فمن تكلم عَلَى شيء من هذا مع جهله بما جاء به الرسول فهو داخل فيمن يفتري عَلَى الله الكذب ، وفيمن يقول عَلَى الله ما لا يعلم ، فإن كان مع ذلك لا يقبل الحق ممن ينكر عليه باطله لمعرفه ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل ينتقص به وقال : أنا وارث حال الرسول ، والعلماء وارثون علمه ، فقد جمع هذا بين افتراء الكذب عَلَى الله ، والتكذيب بالحق لما جاءه { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } ( 1 ) فإن هذا متكبر عَلَى الحق والانقياد له ، منقاد لهواه وجهله ، ضال مضل ، وإنما يرث حال الرسول من علم حاله ثم اتبعه ، فأما من لا علم له بحاله ، فمن أين يكون وارثه ؟ ! ومثل هذا لم يكن ظهر في زمن السلف الصالح حتى يجاهدوا فيه حق الجهاد ، وإنما ظهر هذا في زمن قل فيه العِلْم وكثر فيه الجهل ، ومع هذا فلا بد أن يقيم الله من يبين للأمة ضلاله ، وله نصيب من الذل والصغار بحسب مخالفته لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - . يا لله ! العجب لو ادعى رجل معرفة صناعة من صنائع الدُّنْيَا - ولم يعرفه الناس بها ، ولا شاهدوا عنده آلاتها - لكذبوه في دعواه ولم يأمنوه عَلَى أموالهم ، ولم يمكنوه من تلك الصناعة ، فكيف بمن يدعي معرفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وما شوهد قط يكتب علم الرسول ، ولا يجالس أهله ولا يدارسه ؟ ! فللَّه العجب ، كيف يقبل أهل العقول دعواه ويحكمونه في أديانهم يفسدها بدعواه الكاذبة .
هامش
( 1 ) الزمر : 32 .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 248 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني