تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عزَّ بذلك ؛ لأنّه انتصر عَلَى أشد أعدائه وقهره ، وأسره واكتفى شرَّه ، قال تعالى : { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ( 1 ) فحصر الفلاح في وقاية شح نفسه ، وتطلُّعها إِلَى ما مُنعت منه ، وحرصِها عَلَى ما يُضيرها مما تشتهيه : من علو وترفع ، ومال وجاه ، وأهل ومسكن ، ومأكل ومشرب ، وملبس وغير ذلك . فإنَّها تطلع إِلَى ذلك كلِّه وتشتهيه ، وهو عين هلاكها ، ومنه ينشأ البغيُ والحسد والحقد ؛ فمن وقي شح نفسه فقد قهرها ، وقصرها عَلَى ما أُبيح لها وأُذن لها فيه ، وذلك عين الفلاح . كان بعض العارفين يُنشد : إذا ما ( عدلت ) ( * ) النفس . . . عن الحق زجرناها وإن مالت عن الأخرى . . . إِلَى الدُّنْيَا منعناها تخادعنا ونخدعها . . . وبالصبر غلبناها لها خوف من الفقر . . . وفي الفقر أنخناها وبكل حال ، فلا يقوى العبدُ عَلَى نفسه إلاَّ بتوفيق الله إياه وتوليه له ، فمن عصمه الله وحفظه تولاَّه ، ووقاه شح نفسه وشرها ، وقوَّاه عَلَى مُجاهدتها ومعاداتها . ومن وكله إِلَى نفسه غلبته وقهرته ، وأسرته وجرَّته إِلَى ما هو عين هلاكه ، وهو لا يقدر عَلَى الامتناع كما يصنع العدوُّ الكافر إذا ظفر بعدوه المسلم ؛ بل شر من ذلك ؛ فإن المسلم إذا قتله عدوه الكافر كان شهيدًا ، وأمّا النفس إذا تمكّنَتْ من صاحبها قتلته قتلاً يَهلك به في الدُّنْيَا والآخرة .
هامش
( 1 ) الحشر : 9 . ( * ) عدت : " نسخة " .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 144 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني