وفي " سُنن أبي داود " ( 1 ) عن عبد اللَّه بن حوالة ، قال : " بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدَامِنَا ، فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا وَقّدْ عَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا ، فَقَالَ : « اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ » .
فَإِذَا وفَّق اللهُ عبدًا توكل بحفظه وكلاءته ، وهدايته وإرشاده ، وتوفيقه وتسديده . وإذا ( أخذله ) ( * ) وكله إِلَى نفسه أو إِلَى غيره ؛ ولهذا كانت هذه الكلمة : " حسبنا اللَّه ونعم الوكيل " كلمة عظيمة ، وهي التي قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين أُلقي في النار ، وقالها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - حين قال الناس : إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ( 2 ) ، وقالتها عائشةُ حين ركبت الناقة لمَّا انقطعت عن الجيش ( 3 ) ، وهي كلمةُ المؤمنين .
فمن حقَّق التوكلَ عَلَى اللَّه لم يكله إِلَى غيره ، وتولَّاه بنفسه .
وحقيقةُ التوكل : تَكِلَةِ الأمور كلِّها إِلَى من هي بيده ؛ فمن توكَّل عَلَى اللَّه في هدايته وحِراسته وتوفيقه وتأييده ونصره ورزقه ، وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولَّى اللهُ مصالحه كلَّها ؛ فإنه تعالى ولي الذين آمنوا . وهذا هو حقيقةُ الوثوق برحمة الله ؛ كما في هذا الدعاء : " فإني لا أثق إلا برحمتك " .
فمن وثق برحمة ربِّه ولم يثق بغير رحمته ، فقد حقَّق التوكل عَلَى ربه في توفيقه وتسديده . فهو جدير بأن يتكفَّلَ اللهُ بحفظه ، ولا يكله إِلَى نفسه .
وفي هذا الحديث وصفَ النفسَ بأوصاف ذميمة ، كلُّ ذلك حذرًا أنْ يُوكل العبد إِلَى ما هذه صفاته ، وهي أربعةُ أوصاف : الضَّيعة ، والعورة ، والذَّنب ، والخطيئة .
هامش
( 1 ) برقم ( 2535 ) .
( * ) خذله : " نسخة " .
( 2 ) أخرجه البخاري برقم ( 4563 ، 4564 ) عن ابن عباس .
( 3 ) أخرجه البخاري برقم ( 4141 ) ، ومسلم برقم ( 2770 ) .