تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
الثالث : مما استعاذ منه : وهو اكتساب الخطيئة ؛ قال اللَّه عز وجل : { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } ( 1 ) . وفسِّرت إحاطة الخطيئة بالموت عَلَى الشرك ، وفسِّرت بالموت عَلَى الذنوب الموجبة للنار من غير توبة منها . فكأنَّ ذنوبه أحاطت به من جميع جهاته ، فلم يبق له مخلصٌ منها . فالخطايا تُحيط بصاحبها حتى تُهلكه ؛ وقد ضرب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مثل الخطايا التي يتلبس بها العبد بمثل درع ضيقة يلبسها ، فتضيق عليه حتى تخنقه ، ولا تنفك عنه إلا بعمل الحسنات ، من توبة أو غيرها من الأعمال الصالحة ؛ ففي " المسند " ( 2 ) ، عن عُقبة بن عامر رضي اللَّه عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ ( خَنِيقَة ) ( * ) ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخْرَى فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ أُخْرَى حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ » . فلا يخلص العبد من ضيق الذنوب عليه وإحاطتها به إلاَّ بالتوبة والعمل الصالح . كان بعضُ السلف يُردد هذين البيتين بالليل ، ويبكي بكاءً شديدًا : ابكِ لذنبك طول الليل مجتهدًا . . . إنَّ البكاء معول الأحزان لا تنسَ ذنبك في النهار وطوله . . . إِنَّ الذنوب تحيط بالإنسان الرابع مما استعاذ منه : الذنب الَّذِي لا يُغفر . ويدخل فيه شيئان . أحدُهما : الشرك ؛ قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ . . . } ( 3 ) الآية . والثاني : أنْ يعمل العبدُ ذنبًا ولا يُوفَّق لسبب يمحوه عنه ؛ بل يلقى اللَّه من غير سبب ملح له ، فلا يُغفر له ؛ بل يُعاقب عليه ، فإنَّ الله إذا أَحَبّ عبدًا أوقعه
هامش
( 1 ) البقرة : 81 . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 4 / 145 ) . ( * ) ثُم خنقته : " نسخة " . ( 3 ) النساء : 48 ، 116 .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 136 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني