وَصَلَّى الْعَصْرَ فَقِيلَ لَهُ أَتَتَيَمَّمُ وَجُدْرَانُ الْمَدِينَةِ تَنْظُرُ إلَيْكَ فَقَالَ أَوْ أَحْيَا حَتَّى أَدْخُلَهَا ثُمَّ 1
هامش
= وشرع التيمم في غزوة المريسيع ، وهي غزوة بني المصطلق التي كانت في شعبان سنة خمس ، حينما سقط عقد السيدة عائشة - رضي الله عنها - فاحتبس الناس . على طلبه ، وليس معهم ماء ، ففي الحديث عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها قالت :
" وخرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء ، أو بذات الحبيش " موضعان بين المدينة وخيبر " انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء , وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر ، فقالوا : ألا ترى إلى ما صنعت عائشة .
أقامت برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والناس ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فجاء أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واضع رأسه على فخذي قد نام ، فقال :
حبست رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والناس ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ، فقالت عائشة : فعاتبني أبو بكر ، وقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على فخذي ، فقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أصبح على غير ماء ، فأنزل الله عز وجل آية التيمم : { فَتَيَمَّمُوا } .
قال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، فقالت عائشة : " فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا الفقد تحته " . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم ، فقال أسيد بن الحضير : جزاك الله خيراً ، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً ، والسر في ذلك يرجح إلى أمور :
الأول : أن الله سبحانه وتعالى لما علم من النفس الأمارة الكسل ، والميل إلى ترك الطاعة ، والعبادة ، شرع لها التيمم عند عدم الماء ، لئلا تعتاد ترك العبادة ، فيصعب عليها محاودتها عند وجوده .
الثاني : ما فيه من التذلل والانكسار ، وتهذيب النفس . وخضوعها بقبولها تعفير أشرف عضو في الإنسان ، وهو الوجه بأخس الأشياء ، وهو التراب .
الثالث : ما فيه من نعمة التخفيف ، والترخيص ، وعدم الحرج والضيق المشار لها بقوله تعالى : { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي : ما يريد الله بمشروعية التيمم لكم ليجعل عليكم من حرج أي : ضيق ، فلذا سهل لكم ، ولم يعشر عليكم ، بل أباح لكم التيمم عند المرض ، وعند فقد الماء ؛ توسعة عليكم ورحمة بكم ، ولكن يريد ليطهركم من الذنوب ، وليتم بذلك نعمته عليكم بالتخفيف ، ودفع الحرج والضيق عنكم لعلكم تشكرون هذه النعمة بطاعتكم إياه ، فيما أمركم به ، ونهاكم عنه .
وإنما خص الله الصعيد بالتيمم ، فجعله مطهراً بدل الماء ، لكونهما أخوين ؛ إذ بهما حياة كل حيوان ونبات ، وهما أعم الأشياء وجوداً ، وأسهلها تناولاً .
واقتصر فيه على الوجه ، واليدين ؟ لأن هذين العضوين هما اللذان ينزههما الإنسان غالباً عن ملامسة التراب ، زيادة عن غيرهما ففي مسحهما بالتراب بعض الذلة والانكسار للنفس ، وأيضاً إن وضع التراب على الرأس مكروه في المعتاد ؟ لما كانت تفعله الجاهلية عند المصائب والنوائب .
والرجلان محل ملامسة التراب غالباً ، فلا يظهر في مسحهما الذلة والانكسار .
ولم يفرق بين بدل الغسل ، وبدل الوضوء ، ويشرع التمرغ بدل الغسل ، لأن التمرغ فيه بعض الحرج ، فلا يصلح رافعاً للحرج بالكلية .
والدليل على مشروعية الكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب : فقوله تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } [ المائدة : 6 ] فإن الله تعالى أمرنا بالتيمم في قوله تعالى : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً } [ المائدة : 6 ] وكل ما أمرنا الله به ، فهو مشروع ، فالتيمم مشروع .
وأما السنة : فأحاديث كثيرة ؟ منها حديث البخاري : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً " فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد بين في هذا الحديث أن الله جعل لنا الأرض مطهرة ، فيصح التيمم عليها .
وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة بأسرها على مشروعيته عند عدم الماء .
وهو من خصائص هذه الأمة المحمدية ، كما يرشد إلى ذلك الحديث .