وأسر مقدمهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك ، وبعث به إلى المأمون . وهرب جماعة من جند طاهر
فساروا إلى الأمين فأعطاهم أموالا كثيرة ، وأكرمهم وغلف لحاهم بالغالية فسموا جيش الغالية . ثم
ندبهم الأمين وأرسل معهم جيشا كثيفا لقتال طاهر فهزمهم طاهر وفرق شملهم ، وأخذ ما كان معهم .
واقترب طاهر من بغداد فحاصرها وبعث القصاد والجواسيس يلقون الفتنة بين الجند حتى تفرقوا
شيعا ، ثم وقع بين الجيش وتشعبت الأصاغر على الأكابر واختلفوا على الأمين في سادس ذي الحجة
فقال بعض البغاددة :
قل لأمين الله في نفسه * ما شتت الجند سوى الغالية
وطاهر نفسي فدا طاهر ( 1 ) * برسله والعدة الكافية
أضحى زمام الملك في كفه * مقاتلا للفئة الباغية
يا ناكثا أسلمه نكثه * عيوبه في ( 2 ) خبثه فاشيه
قد جاءك اليث بشداته * مستكلبا في أسد ضاريه
فاهرب ولا مهرب من مثله * إلا إلى النار أو الهاوية
فتفرق على الأمين شمله ، وحار في أمره ، وجاء طاهر بن الحسين بجيوشه فنزل على باب الأنبار
يوم الثلاثاء لثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، واشتد الحال على أهل البلد وأخاف الدعار
والشطار أهل الصلاح ، وخربت الديار ، وثارت الفتنة بين الناس ، حتى قاتل الأخ أخاه للأهواء
المختلفة ، والابن أباه ، وجرت شرور عظيمة ، واختلفت الأهواء وكثر الفساد والقتل داخل البلد .
وحج بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي من قبل طاهر ، ودعا للمأمون بالخلافة
بمكة والمدينة ، وهو أول موسم دعي فيه للمأمون .
وفيها توفي بقية بن الوليد الحمصي إمام أهل حمص وفقيهها ومحدثها .
وحفص بن غياث القاضي
عاش فوق التسعين ، ولما احتضر بكى بعض أصحابه فقال له : لا تبك ! والله ما حللت
سراويلي على حرام قط ، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من وقع الحكم عليه منهما ، قريبا كان
أو بعيدا ، ملكا أو سوقة .
وعبد الله بن مرزوق أبو محمد الزاهد ، كان وزيرا للرشيد فترك ذلك كله وتزهد وأوصى عند
موته أن يطرح قبل موته على مزبلة لعل الله أن يرحمه .
هامش
( 1 ) في الطبري 10 / 172 : نفسي تقي طاهرا .
( 2 ) في الطبري : من . وفي مروج الذهب 3 / 488 : من حينه .