كانوا ففرقهم دهر وصدعهم * والدهر يصدع ما بين الفريقين
وقد أكثر الشعراء في ذلك . وقد أورد ابن جرير من ذلك طرفا صالحا ، وأورد في ذلك قصيدة
طويلة جدا بها بسط ما وقع ، وهي هول من الأهوال اقتصرناها بالكلية .
واستحوذ طاهر على ما في الضياع من الغلات والحواصل للأمراء وغيرهم ، ودعاهم إلى الأمان
والبيعة للمأمون فاستجابوا جميعهم ، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة ، ويحيى بن علي بن ماهان ،
ومحمد بن أبي العباس الطوسي ( 1 ) ، وكاتبه خلق من الهاشميين والامراء ، وصارت قلوبهم معه . واتفق
في بعض الأيام أن ظفر أصحاب الأمين ببعض أصحاب طاهر فقتلوا منهم طائفة عند قصر صالح ،
فلما سمع الأمين بذلك بطر وأشر وأقبل على اللهو والشرب واللعب ، ووكل الأمور وتدبيرها إلى
محمد بن عيسى بن نهيك ، ثم قويت شوكة أصحاب طاهر وضعف جانب الأمين جدا ، وانحاز الناس
إلى جيش طاهر - وكان جانبه آمنا جدا لا يخاف أحد فيه من سرقة ولا نهب ولا غير ذلك - وقد أخذ
طاهر أكثر محال بغداد وأرباضها ، ومنع الملاحين أن يحملوا طعاما إلى من خالفه ، فغلت الأسعار جدا
عند من خالفه ، وندم من لم يكن خرج من بغداد قبل ذلك ، ومنعت التجار من القدوم إلى بغداد بشئ
من البضائع أو الدقيق ، وصرفت السفن إلى البصرة وغيرها ، وجرت بين الفريقين حروب كثيرة ،
فمن ذلك وقعة درب الحجارة كانت لأصحاب الأمين ، قتل فيها خلق من أصحاب طاهر كان الرجل
من العيارين والحرافشة من البغاددة يأتي عريانا ومعه بارية مقيرة ، وتحت كتفه مخلاة فيها حجارة ، فإذا
ضربه الفارس من بعيد بالسهم اتقاه بباريته فلا يؤذيه ، وإذا اقترب منه رماه بحجر في المقلاع أصابه ،
فهزموهم لذلك . ووقعة الشماسية أسر فيها هرثمة بن أعين ، فشق ذلك على طاهر وأمر بعقد جسر
على دجلة فوق الشماسية ، وعبر طاهر بنفسه ومن معه إلى الجانب الآخر فقاتلهم بنفسه أشد القتال
حتى أزالهم عن مواضعهم ، واسترد منهم هرثمة وجماعة ممن كانوا أسروهم من أصحابه ، فشق ذلك
على محمد الأمين وقال في ذلك :
منيت بأشجع الثقلين قلبا * إذا ما طال ليس كما يطول
له مع كل ذي بدد رقيب * يشاهده ويعلم ما يقول
فليس بمغفل أمرا عنادا * إذا ما الامر ضيعه الغفول
وضعف أمر الأمين جدا ولم يبق عنده مال ينفقه على جنده ولا على نفسه ، وتفرق أكثر أصحابه
عنه ، وبقي مضطهدا ذليلا . ثم انقضت هذه السنة بكمالها والناس في بغداد في قلاقل وأهوية
مختلفة ، وقال وحريق ، وسرقات ، وساءت بغداد فلم يبق فيها أحد يرد عن أحد كما هي عادة الفتن .
وحج بالناس فيها العباس بن موسى الهاشمي من جهة المأمون . وفيها توفي شعيب بن حرب
هامش
( 1 ) في ابن الأثير 6 / 273 : الطائي ، وفي الطبري 10 / 182 : محمد بن أبي العاص .