ولا يُخلِيه من نَثر درره وأزهاره ، فَقعد فيه ليلة سبع وعشرين من رمضان في لُمَّة من إخوانه ، وأئمة سُلوانِه وقد حَفَّوا به ، ليقطفوا نُخَب أدبه ، وهو بخلط لهم الجدّ بِهزل ، ولا يفرِّط في انبِسَاطِ مُشتَهر ولا انقباض جَزل ، وإذا ، بجارية من أعيان أهل قُرطبة معها من جواريها ، من يستُرها ويواريها ، وهي ترتاد مَوضِعاً لمُناجَاة رَبِها ، وتبتغي منزلا لاستغفار ذَنبها وهي متنقّبة ، خائفة ممَّن يرقُبها مترقِّبة ، وأمامها طفل لها كأنَّه غُصنُ آس ، أو ظبيٌ يَمرحُ في كِناس فلما وقعت عينها على أبي عامر ولّت سريعة وتولت مروعة ،
خيفة أن يشبّب بها ، أو يَشهُرها باسمها ، فلما نظرها ، قال قولاً فضحها به وشَهَرها :
وناظرة تَحتَ طَيِّ القناع . . . دعاها إلى الله والخيرِ داعِ
سَعَتْ خِفيَةً تَبغي مَنزلاً . . . لِوَصلِ التَّبتُّلِ والانقطاعِ
وَجَالت بمَوضِعنَا جَولةَ . . . فحلّ الربيعُ بتلك البِقَاعِ
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 192
مساهمون: ابن خاقان
ص١٩٢