وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله
وحده لا شريك له في ذلك * ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لأنها رأت ما لا صبر لها
على مثله إلا أنه عفيف نزيه برئ العرض سليم الناحية فقال ( استغفري لذنبك إنك كنت من
الخاطئين ) ( 1 ) . ( وقال ( 2 ) نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا
لنراها في ضلال مبين . فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة
منهن سكينا وقالت اخرج عليهن . فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن
هذا إلا ملك كريم . قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل
ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين . قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف
عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين . فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو
السميع العليم ) [ يوسف : 30 - 34 ] * يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة ، من نساء
الامراء وبنات الكبراء ( 3 ) في الطعن على امرأة العزيز وعيبها ، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها ،
وحبها الشديد له ، وهو لا يساوي هذا لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن ( إنا
لنراها في ضلال مبين ) أي في وضعها الشئ في غير محله ( فلما سمعت بمكرهن ) أي بتشنيعهن
عليها والتنقص لها والإشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فأظهرن ذما وهي
معذورة في نفس الامر ، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن ، وتبين أن هذا الفتى ليس كما
حسبن ، ولا من قبيل ما لديهن فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها . واعتدت لهن ضيافة
مثلهن ، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين ، كالأترج ونحوه ، وأتت كل واحدة
منهن سكينا ، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة
الشباب ، وأمرته بالخروج عليهن بهذه ( 4 ) الحالة . فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة . ( فلما
رأينه أكبرنه ) أي أعظمنه وأجللنه وهبنه ( 5 ) وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم وبهرهن حسنه
هامش
( 1 ) سورة يوسف الآية 29 وفيها : ( واستغفري . . ) رجح الرازي أن يكون القائل هو الشاهد ; ويحتمل أن يكون
المراد طلب المغفرة من الزوج أي طلب العفو والصفح ، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله . لان أولئك
الأقوام كانوا يثبتون الصانع ; إلا انهم كانوا يعبدون الأوثان .
( 2 ) قوله ( وقال نسوة ) قال الرازي في تفسيره : لم يقل : وقالت نسوة لوجهين : - إن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة
وتأنبته غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث . الثاني - قال الواحدي تقدم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة
التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع .
( 3 ) قال في تفسير الرازي : قال الكلبي هن أربع : امرأة ساقي العزيز ، وامرأة خبازه ، وامرأة صاحب سجنه - وامرأة
صاحب دوابه . وزاد مقاتل : وامرأة الحاجب .
( 4 ) في نسخة : في هذه .
( 5 ) في قول للرازي : أكبرن بمعنى حضن ، قال الأزهري يقال : أكبرت المرأة إذا حاضت ; وهو أن المرأة إذا خافت
وفزعت فربما أسقطت ولدها ; وربما حاضت .
وقال : وعندي يحتمل انهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة ، وآثار الخضوع والاحتشام .
وحمل الآية على هذا الوجه أولى . 18 / 127 - 128 .