بالقبول فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه * ثم لما قام بما وجب عليه
وارشد إلى ما أرشد إليه قال ( يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا ) قالوا وهو الساقي
( وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ) قالوا وهو الخباز ( قضي الامر الذي فيه
تستفتيان ) أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث : " الرؤيا على رجل
طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت " .
وقد روي عن بن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ( أنهما قالا لم نر شيئا )
فقال لهما ( قضي الامر الذي فيه تستفتيان . وقال للذي ظن أنه ناج منها اذكرني عند ربك فأنساه
الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ) [ يوسف : 42 ] يخبر تعالى أن يوسف عليه
السلام قال للذي ظنه ناجيا منها وهو الساقي ( أذكرني عند ربك ) يعني أذكر أمري وما أنا فيه
من السجن بغير جرم عند الملك * وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب * ولا ينافي ذلك
التوكل على رب الأرباب . وقوله ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) أي فانسى الناجي منهما الشيطان أن
يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام * قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد وهو الصواب وهو
منصوص أهل الكتاب ( فلبث يوسف في السجن بضع سنين ) والبضع ما بين الثلاث إلى
التسع * وقيل إلى السبع * وقيل إلى الخمس * وقيل ما دون العشرة . حكاها الثعلبي * ويقال
بضع نسوة وبضعة رجال * ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف . وقال
الله تعالى ( فلبث في السجن بضع سنين ) وقال تعالى ( في بضع سنين ) [ الروم : 2 ] وهذا رد
لقوله * قال الفراء : ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع
وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين * وفي
الصحيح : " الايمان بضع وستون " وفي رواية وسبعون شعبة ، أعلاها ( 1 ) قول لا إله إلا الله وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق " ( 2 ) . ومن قال إن الضمير في قوله ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) عائد على
يوسف فقد ضعف ما قاله وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة والحديث الذي رواه ابن
جرير ( 3 ) في هذا الموضع ضعيف من كل وجه * تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي ( 4 ) المكي وهو
هامش
( 1 ) في نسخة وأعلاها وفي نسخة أخرى وأرفعها .
( 2 ) أخرجه البخاري في صحيحه : فتح الباري 2 / 3 ورواه مسلم في 1 / 57 / 58 وأبو داود والنسائي في سننيهما وابن
ماجة في المقدمة وأحمد في مسنده 2 / 144 - 379 - 445 .
( 3 ) تاريخ الطبري ج 1 / 177 وفي إسناده : عن وكيع عن عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن
دينار . .
( 4 ) في نسخة خوذي وفي نسخة الخوري والصواب الخوزي . نسبة إلى خوز وهو هنا شعب مكة يسمى شعب الخوز
وليس منسوبا إلى خوزستان .
وهو أبو إسماعيل المكي ، مولى بني أمية - متروك تقريب التهذيب 1 / 46 .