حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله . ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال
فقال إني أخاف الله " ( 1 ) .
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال ( معاذ الله إنه ربي ) يعني
زوجها صاحب المنزل سيدي ( أحسن مثواي ) أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده ( إنه لا يفلح
الظالمون ) وقد تكلمنا على قوله ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) بما فيه كفاية
ومقنع في التفسير ( 2 ) .
وأكثر أقوال المفسرين ههنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا * والذي
يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها * ولهذا قال
تعالى ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين . واستبقا الباب ) أي
هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره ( وألفيا ) أي وجدا ( سيدها )
أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه ( قالت ما جزاء من أراد بأهلك
سوءا إلا أن يسجن أو عذاب اليم ) . اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا
قال يوسف عليه السلام ( هي راودتني عن نفسي ) احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة ( وشهد
شاهد من أهلها ) قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس * وروي عن أبي هريرة وهلال بن
يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير . وروي فيه حديثا مرفوعا
عن ابن عباس ووقفه غيره عنه * وقيل كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها . وقيل قريبا إليها * وممن
قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وزيد بن
أسلم فقال ( إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ) أي لأنه يكون قد راودها
فدافعته حتى قدت مقدم قميصه ( وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ) أي
لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان . ولهذا قال تعالى
( فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ) أي هذا الذي جرى من
مكركن أنت ( 3 ) راودته عن نفسه * ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال
( يوسف أعرض عن هذا ) أي لا تذكره لاحد لان كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن
وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه : فتح الباري 10 / 36 / 660 و 24 / 26 و 81 / 24 وأخرجه مسلم في صحيحه
12 / 30 / 91 والترمذي في سننه 37 / 53 / 2391 والنسائي ومالك في الموطأ 51 / 5 / 14 وأحمد في مسنده
2 / 439 .
( 2 ) يراجع تفسير ابن كثير ; تفسير سورة يوسف .
( 3 ) في نسخة : أنت الذي راودتيه عن نفسه . ثم اتهمتيه بالباطل .