ورُوي عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ ، فَقَالَ : « مَا أَرَدْتَ بِهَا ؟ » ، قُلْتُ : وَاحِدَةً .
قَالَ : « وَاللَّهِ ؟ » ، قُلْتُ : وَاللَّهِ ، قَالَ : « فَهُوَ مَا أَرَدْتَ »
وَمعنى قَوْله : « بتة » ، أَي : قَاطِعَة ، وأصل الْبَتّ : الْقطع .
يُقَال : صدقةٌ بتةٌ بتلةٌ ، أَي مُنْقَطِعَة عَنْ جَمِيع الْأَمْلَاك .
قَالَ الإِمَامُ : فِي هَذَا الْحَدِيث فوائدُ مِنْهَا مَا اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ على أَن الْجمع بَين الطلقات الثَّلَاث مُبَاح ، وَلَا يكون بِدعَة ، لِأَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ ركَانَة : « مَا أردْت بهَا ؟ » ، وَلم يَنْهَهُ أَن يُرِيد أَكثر من وَاحِدَة ، وَهُوَ قولُ الشَّافِعِيّ ، وَأَحْمَد .
وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهُ لَو جمع بَين طَلْقَتَيْنِ ، أَو ثَلَاث طلقات ، يكون بِدعَة ، وَهُوَ قَول مَالِك ، وَإِسْحَاق ، وَأَصْحَاب الرَّأْي .
وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِيمَا لَو طلق امْرَأَته الْحَامِل ثَلَاثًا ، فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنَّهُ لَا يكون بدعيًا ، وَاخْتلف فِيهِ أَصْحَاب الرَّأْي ، فَقَالَ أَبُو حنيفَة ، وَأَبُو يُوسُف : يكون بدعيًا إِلا أَن يُفرِّقها على الشُّهُور ، فيوقع فِي كل شهر وَاحِدَة ، وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : لَا يُوقع على الْحمل إِلا وَاحِدَة ، وَيتْرك الثَّانِيَة حَتَّى تضع الْحمل .
شرح السنة — صفحة 210
مساهمون: البغوي
ص٢١٠