تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح السنة — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
ذَلِكَ فِي كِنَانَةَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُنْسِئُونَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ ، وَإِذَا أَخَّرُوا تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرٍ ، وَمَكَثُوا لِذَلِكَ زَمَانًا ، ثُمَّ احْتَاجُوا إِلَى تَأْخِيرِ تَحْرِيمِ صَفَرٍ إِلَى الرَّبِيعِ ، فَعَلُوا هَكَذَا شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ ، حَتَّى اسْتَدَارَ التَّحْرِيمُ عَلَى السَّنَةِ كُلِّهَا ، فَقَامَ الإِسْلامُ ، وَقَدْ رَجَعَ الْمُحَرَّمِ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ ، وَذَلِكَ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ : « إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ » ، وَيُقَالُ : كَانَ قَدِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ حَتَّى خَرَجَ حِسَابُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، فَكَانُوا رُبَّمَا يَحُجُّونَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فِي شَهْرٍ ، وَيَحُجُّونَ مِنْ قَابِلٍ فِي شَهْرٍ غَيْرِهِ ، إِلَى أَنْ كَانَ الْعَامُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَافَى حَجُّهُمْ شَهْرَ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ ، وَهُوَ ذُو الْحِجَّةِ ، فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ الْيَوْمَ التَّاسِعَ ، وَخَطَبَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ بِمِنًى ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَشْهُرَ النَّسِيءِ قَدْ تَنَاسَخَتْ بِاسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ ، وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى مَا وَضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَ الْأَشْهُرِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ ، لِئَلا يَتَبَدَّلَ فِي مُسْتَأْنَفِ الْأَيَّامِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَّ مَعَ الإِمْكَانِ ، لِيُوَافِقَ أَهْلَ الْحِسَابِ ، فَيَحُجَّ فِيهِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : « إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ » ، أَنَّهُ فِي الْحَجِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَحُجُّونَ عَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، وَعَامَيْنِ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي حَدَّثَنَا فِيهَا أَبُو بَكْرٍ قَبْلَ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ الْحَجُّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، وَكَانَتْ حَجَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : « إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ » ، يَقُولُ : قَدْ ثَبَتَ الْحَجُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : « رَجَبُ مُضَرَ » ، إِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى مُضَرَ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تُحَافِظُ عَلَى
شرح السنة — صفحة 221 | البغوي / شعيب الأرنؤوط - محمد زهير الشاويش