Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 161

Contributors:

P.161
ملكه عليه من غير ضمان فكان الاخذ بضمان رعاية للجانبين وان شاء ترك الثوب على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه ابيض يوم الغصب لأنه لا سبيل إلى جبره على اخذ الثوب إذ لا يمكنه اخذه الا بضمان وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه ولا سبيل إلى جبره على الضمان لانعدام مباشرة سبب وجوب الضمان منه وقيل له خيار ثالث وهو ان له ترك الثوب على حاله وكان الصبغ فيه للغاصب فيباع الثوب ويقسم الثمن على قدر حقهما كما إذا انصبغ لا بفعل أحد لان الثوب ملك المغصوب منه والصبغ ملك الغاصب والتمييز متعذر فصارا شريكين في الثوب فيباع الثوب ويقسم الثمن بينهما على قدر حقهما وإنما كان الخيار للمغصوب منه لا للغاصب وإن كان للغاصب فيه ملك أيضا وهو الصبغ لان الثوب أصل والصبغ تابع له فتخيير صاحب الأصل أولى من أن يخير صاحب التبع وليس للغاصب ان يحبس الثوب بالعصفر لأنه صاحب تبع وان صبغه اسود اختلف فيه قال أبو حنيفة رحمه الله صاحب الثوب بالخيار ان شاء تركه على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه أبيض وان شاء أخذ الثوب ولا شئ للغاصب بل يضمنه النقصان وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله السواد وسائر الألوان سواء وهذا بناء على أن السواد نقصان عند أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه يحرق الثوب فينقصه وعندهما زيادة كسائر الألوان وقيل إنه لا خلاف بينهم في الحقيقة وجواب أبي حنيفة رحمه الله في سواد ينقص وجوابهما في سواد يزيد وقيل كان السواد يعد نقصانا في زمنه وزمنهما كان يعد زيادة فكان اختلاف زمان والله سبحانه وتعالى أعلم وأما العصفر إذا نقص الثوب بأن كانت قيمة الثوب ثلاثين فعادت قيمته بالصبغ إلى عشرين فإنه ينظر إلى قدر ما يزيد هذا الصبغ لو كان في ثوب يزيد هذا الصبغ قيمته ولا ينقص فإن كان يزيده قدر خمسة دراهم فصاحب الثوب بالخيار ان شاء ترك الثوب على الغاصب وضمنه قيمة الثوب أبيض ثلاثين درهما وان شاء أخذ الثوب وأخذ من الغاصب خمسة دراهم كذا قال محمد رحمه الله لان العصفر نقص من هذا الثوب عشرة دراهم الا أن يقدر خمسة فيه صبغ فانجبر نقصان الخمسة به أو صارت الخمستان قصاصا وبقى نقصان خمسة دراهم فيرجع عليه بخمسة وكذلك السواد على هذا والله سبحانه وتعالى أعلم ولو صبغ الثوب المغصوب بعصفر نفسه وباعه وغاب ثم حضر صاحب الثوب يقضى له بالثوب ويستوثق منه بكفيل أما القضاء بالثوب لصاحب الثوب فلما ذكرنا ان الثوب أصل والصبغ تابع له فكان صاحب الثوب صاحب أصل فكان اعتبار جانبه أولى وأما الاستيثاق بكفيل فلان للغاصب فيه عين مال مقتوم قائم ولو وقع الثوب المغصوب في صبغ انسان فصبغ به أو هبت الريح بثوب انسان فالقته في صبغ غيره فانصبغ به فإن كان الصبغ عصفرا أو زعفرانا فصاحب الثوب بالخيار ان شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه لما مر وان شاء امتنع لما ذكرنا انه لا سبيل إلى جبره على الضمان لانعدام مباشرة سبب وجوب الضمان منه فيباح الثوب فيضرب كل واحد منهما بحقه فيضرب صاحب الثوب بقيمة ثوبه أبيض لان حقه في الثوب الأبيض وصاحب الصبغ يضرب بقيمة الصبغ في الثوب وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه لان حقه في الصبغ القائم في الثوب لا في الصبغ المنفصل وإنما ثبت الخيار لصاحب الثوب لا للغاصب لما بينا وإن كان سوادا أخذه صاحب الثوب ولا شئ عليه من قيمة الصبغ بل يضمنه النقصان إن كان غاصبا لان النقصان حصل في ضمانه وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما حكمه حكم سائر الألوان على ما بينا والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك السمن يخلط بالسويق المغصوب أو يخلط به فالسويق بمنزلة الثوب والسمن بمنزلة الصبغ لان السويق أصل والسمن كالتابع له ألا ترى انه يقال سويق ملتوت ولا يقال سمن ملتوت وأما العسل إذا خلط بالسمن أو اختلط به فكلاهما أصل وإذا خلط المسك بالدهن أو اختلط به فإن كان يزيد الدهن ويصلحه كان المسك بمنزلة الصبغ وإن كان دهنا لا يصلح بالخلط ولا تزيد قيمته كالادهان المنتنة فهو هالك ولا يعتد به والله سبحانه وتعالى أعلم ولو غصب من إنسان ثوبا ومن إنسان صبغا فصبغه به ضمن لصاحب الصبغ صبغا مثل صبغه لأنه أتلف عليه صبغه وهو من ذوات الأمثال فيكون مضمونا بالمثل فبعد ذلك حكمه
بدائع الصنائع — Page 161 | أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (الكاشاني)