فلما أفَضْتُ من تلك المناسِك بتلك البِقاع ، طُفْتُ بها بل بالمسَرَّة طَوافَ الوَداع ، وخرجتُ من أحبّ البلاد ، والله لا يدعُو إلى دارهِ إلا مَن اسْتَخْلصَه من العباد .
وما دَرَى البيتُ أنى بعد فُرْقتِه . . . ما سِرْتُ من حَرم إلاَّ إلى حَرَمِ
قاصداً طَيْبةَ الطَّيبة المُطَيَّبَة ، وارداً موارد آمالي المُسْتَعْذَبة .
وقد قيل في زُرقِ العيون شآمةٌ . . . وعنْدِيَ أن اليُمْنَ في عيْنها الزَرْقَا
فكلَّما سَرى في الصّبا نَسْرُ بطاحِها ، وَدَدتُ لو أعارَتْني الُعابُ خفِافَ جناحِها ، إلى أن لمَعت أنوارُ الهُدَى ، من سماء العُلا وقبِاب الحمَى .
لِمَهْبط الوحْي حقَّا ترحلُ النُّجبُ . . . وعند هذا المُرَجَّى يْنتَهي الطَّلبُ
فنزلتً اعتِنقُ الأراكَ مُسلّما ، وكِدْتُ إلمُ أخْفافَ الرّواحل ، إذ أوْصلتْني إلى أعذبِ المناهل ، ولم اقلْ على قلق الوَضين أشْرقي بدَم الوَتين .
فإذا المَطيِ بنا بَلغْنَ مُحَّمداً . . . فظهُورهنَّ على الرّجالِ حَرام
قرَّبْنَنَا من خيرِ مَن وَطِئ الثَّرىَ . . . فلَها علْيناَ حُرْمَةٌ وذِمامُ
فحلَلْتُ في أرفعِ مَقام ، تُفاخِر فيه الرُّوس الأقْدام ، ويشَهد نَشرُ المِسك بفضل غُبارِه ، وتُقرُّ الجواهرُ بأنَّها دون حَصاه فضْلاً عن أحْجارِه .
ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا — صفحة 380
مساهمون: أحمد بن محمد الخفاجي
ص٣٨٠