لَّما اْمتطَيْتُ مطاياَ الهِممَ ، ووجَّهتُ وَجْه عزْمى إلى قِبْلة الأمم ، ورَعيْتُ بالأحْداق حدائقَ تلك المسارح ، وقد سالَتْ بأعْناق المَطىّ الأباطِح ، في وَفْدٍ ركب عزمُهم غاربَ المَسرَّة وامْتطَى ، وهَتْهمُ النُّجبُ إلى أوْدِية بضلُّ فيها القَطَا ، فقطعُوا مَهامِةَ وأطْلال ، يخاف أن يَسْرِى بها طَيْفُ الخيال .
فكم لاحت جداول موارد النوق جسورها ، وسارت بهم سفائن بر والسراب بحورها . فكأنَّها أشْجار ، يحرّكها صَبا الأسْحارِ .
تَسْقيها من السُّرى غمائِمهُ ، وتزهو على نَوْرِ الخدودش كمائمهُ .
والشَّمالُ تحْدُوهم بمِسْكىّ الأنْفاس ، والسماءُ حديقةُ نرَجسَ بين رَيحْانٍ وآس .
حتى الْتَتقط كف الصَّباح زُهرِه ، وقطَفتْ بَنَفْسجَ الظَّلمْاء راحةُ فجْره ، ووَرَد سِرْحانهُ غديرَ الصَّباح ونادَى القُمْرى على منارِ الدَّوح : حي على الفلاح .
ولم أزل أدْابث في التَّسْيار ، إلى أن نفضْتُ عن منِكب المشقَّة غُبارَ الأسْفار ، فنزلتُ بجوار بيُت الله الحرام ، وتطيبتُ بمِسْك تراب الحطيم والمقَام .
وقلتُ :
بمكَّة لي غَناء ليس يفْنَى . . . جِوارُ اللهِ والبيتِ المُعظمْ
ففيها كِيمياء سعادةٍ قد ظفرْت بها من الحَجر المُكرَّم .
ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا — صفحة 379
مساهمون: أحمد بن محمد الخفاجي
ص٣٧٩