تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
أنا عابد ما تعبدون ( أو ما أنا عابد ) ما تعبدون ؟ قلت : لم يكن كذلك لأمرين : أحدهما أنه جواب لقولهم : أعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، فلما كان جوابا لفعل أتي فيه بالفعل نفياً لعين ما طلبوه ولو نفي الاسم لما كان مطابقاً لقولهم ، والثاني أن الجملة الأسمية إنما نفيها بما لا بلا ، وما ليست بمخلصة للاستقبال ، ونفي المستقبل مقصود ، فلم يكن بد مما يحرزه ، فهذا ما حمل أولاً على ما عليه الكلام . وأما الجملة المنفية على هذه وهي قوله : ( ولآ أنتم عابدون ما أعبد ) فتنبيه لما قصد تعريفهم به ، إذ هي طرف معرف بحالهم بناء على ما تقدمها من بيان حاله ، عليه السلام ، فهي جملة جوابهم ، وبناؤها على ما تخلص استقباله مغن عن الأداة المخلصة لأن حكمها حكم ما بنيت عليه ، وتم بها أنه قد وقع الفعل المبهم في صلة ما وهي معمولة لاسم الفاعل المجموع الواقع خبراً عن " أنتم " ولا يعمل إلا بمعنى الحال والاستقبال ، ولكن المعتمد الجوابية على ما تقرر فقد تبين أن قوله : ( لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ) إخبار عما يستقبل من الزمان وعن حاله ، عليه السلام ، فيه وحالهم فيه أيضا . ثم قال : ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) فهذا نفي لما تقدم ومضى على كفاية الحال الماضية ولهذا عمل اسم الفاعل في " ما " . ولما كان الإفصاح هنا بالماضي يحرز المقصود جاءت الجملة اسمية لتحصل الماضي والحال . أما الماضي فمهوم ببنية الفعل وهو قوله ( ما عبدتم ) ولو لم يقع الإفصاح بالفعل لأفهم السياق ما ذكر لأنه قد تقدم ما يستقبل في حق الفريقين فلم يبق إلا ما مضى ، ولا مانع من اللفظ ، فتعين المقصود . أما الحال فإن الجملة الاسمية إذا دخل عليها النفي حملت على الحال ما لم يقع في الكلام ما يقيدها بغيره ، فإن قيل : التقييد بقوله : ( ما عبدتم ) قلت : قوله : ( ما عبدتم ) من صلة ما بعد حصول المبتدأ الذي هو أنا وهو اسم الفاعل ، فحصل من قوله : ( ولا أنا عابد ) نفي اتصافه صلى الله عليه وسلم في الحال بعباده آلهتهم ، وإنما الحال عندنا الماضي غير المنقطع ، قال سيبويه ، رحمة الله ، معرفاً بما يطلق عليه اسم الحال فقال : ، وهو كائن لم ينقطع ، فحصل عن المبتدأ والخبر من قوله : ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) الإخبار عن حالة المستمرة على ذلك فيما تقدم متصلة غير منفصلة ، وحصل من الجملة الخبرية الواقعة صلة وهي : " عبدتم " أنهم لم يفعلوا ذلك فيما مضى ، وقد حصل فيما تقدم استمرارهم على ذلك حال الإخبار ، وزيد بياناً وتأكيداً لقوله بعد : ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) وقد حصل أيضا فيما تقدم أن تلك حالهم فيما يستقبلونه ، فيحصل المجموع أنه صلى الله عليه وسلم تبرأ من عبادة آلهتهم فيما مضى وفي الحال وما يأتي ، ( وأنهم ما عبدوا الله كما يجب له سبحانه فيما مضى ولا في الحال ولا يفعلون ذلك فيما يأتي ) ،
ملاك التأويل — صفحة 512 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي