تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١

سورة الكافرين

للسائل أن يسأل عن تكرير ما ورد فيها ؟ والجواب أنها لم تتكرر فيها آية واحدة إذا اعتبرت أن كل آية منها تفيد من المعنى وتحرر ما لا تفيده الأخرى بذلك التحرير ، فكأنها متباينة الألفاظ لتباين معانيها مع جليل التشاكل وعلي التلاؤم والتناسب . بيان ذلك أنه ورد في سبب نزول هذه السورة أن قريشاً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أعبد آلهتنا سنة ونعد إلهك سنة ، وروي أنهم قالوا : تعالى فلنشترك في عبادة ألهتنا وإلهك فنأخذ الخير حيث كان ، فتبرأ صلى الله عليه وسلم من مقالهم وأنزل الله السورة فتلاها عليهم وهم مجتمعون في المسجد . فقوله : ( لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) ( الكافرين : 2 ) أي لا أفعل ذلك يما أستقبله من زماني ولا أنتم تفعلونه فيما يستقبل ، وهذا إخبار منه سبحانه عن أولئك العصبة أنهم لا يؤمنون ، وهم الذين قتلهم ( الله ) يوم بدر ، فهو إخبار بغيب . ثم قال تعالى : ( وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ) ( الكافرين : 4 ) أي ولا أنا متصف فيما مضى من عمري إلى الآن بعبادة ألهتكم ولا كنتم أنتم فيما مضى متصفين بعبادة الله سبحانه ، فحصل من ذلك الإخبار عن حال ما يستقبل منه صلى الله عليه وسلم ومنهم وعن حال ما مضى وتقدم منه صلى الله عليه وسلم ومنهم ، فعبر عن أربعة أحوال متباينة وهي : أحله ، عليه السلام ، فيما يستقبل وحالهم ، وحاله فيما تقدم قبل وحالهم ، فعبر عن هذه الأربعة بأربع آيات ، فلا تكرار . فإن قلت : فكيف تنزيل آي السورة على هذا ؟ قلت : إن لا النافية إذا دخلت على المضارع المبهم مجردة عن قرينة من لفظ ( ) خلصته للاستقبال ، وقد دخلت في أول آية على قوله : " أعبد " فتخلص هذا الإخبار لما يستقبل ، ثم بنيت الجملة من قوله : " ولا أنتم عابدون ما أعبد " على ما قبلها ليتقابل الإخبار ويلتئم نظم الكلام ، وجئ فيه بالجملة الاسمية لأنها تحرز من حيث تسلط النفي على الصفة أنها لا توجد فيهم ولا يتصرفون بها في شئ مما يستقبلونه ، ففي الصفة أحرز بتعميم ما يستقبل من نفي الفعل . فإن قيل : فإذا كان نفي الصفة على ما ذكر فلم لم يأت كذلك أولاً فكأن يقال : لا