تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
تقول ( العرب ) قاتله ( الله ) ما أشعره ، لا يريدون دعاء على من يقولون له ذلك وإنما يقولون متعجبين ، وإنما نزل القرآن بلسانهم ، فقوله ( فقتل كيف قدر ) مناط بمن يصح منه التعجب ، والله سبحانه متعال عن ذلك ، وكأن قد قيل لهم : هذا مما تتعجبون منه وتقولون هذا الكلام ، فقوله تعالى : ( إنه فكر وقدر ) إخبار عن حال الوليد وتفكره فيما يقول وتقديره ما يرد عليه إذ قال بأنه عليه السلام شاعر أو مجنون أو غير ذلك مما رموه به ، وأنهم مكذبون في كل ما يرومون رميه به من ذلك لبيان حاله عليه السلام ، وقوله : ( فقتل كيف قدر ) تعجب من إصابته في نفي الجنون والتكهن والشعر عنه صلى الله عليه وسلم في قوله : لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، فصدق تقديره في هذا لو أتم الله له الأمر . فالأول إخبار أعنى قوله : ( إنه فكر وقدر ) ، والثاني تعجب عن إصابة تقديره بعد الفكر وهو قوله : ( فقتل كيف قدر ) ، والثالث وهو قوله : ( ثم قتل كيف قدر ) تأكيد للتعجب من حالة في تحويمه لوا سابقة : ( سأرهقه صعوداً ) ، والسابقة هي التي حملته على أدباره واستكباره فقال : ( فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) ( المدثر : 24 ) ، فنكص على عقبيه لما سبق له بعد مقاربته وتحويمه ، ( وبإزاء ) ما تقدم من مقاربته وتحويمه في تنزيهه النبي صلى الله عليه وسلم عما رموه به ورد أتعجب ، وفي طي الكلام شديد توعده على كفره بعد أن تبين له الأمر فضل على علم ، ومثل هذا التكرار استعظاماً للواقع موجود في فصيح كلامهم ، ومنه قول الشاعر . ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي . وجاء بثم لتحرز نية اعتناء بهذا المعطوف بها وأنه أكد من الأول فوضح وجه ورود ما يتوهم تكراراً واستدعاء مقصود الكلام إياه ، والله سبحانه أعلم . الآية الثالثة من سورة المدثر قوله تعالى : ( كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) ( المدثر 53 - 56 ) ، وقال في سورة الإنسان : ( إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ( 29 ) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) ( الإنسان : 29 - 30 ) . للسائل أن يسأل عما بين الآيتين من الاختلاف ؟ وورود الضمير في قوله : " إنه " في الأولي مذكراً وتأنيثه في الثانية ؟ والجواب ، أن هذا مما لا إشكال فيه لأن المذكر به عظة أو موعظة وهو أيضا وعظ وتنبيه . فتارة تراعى العرب في مثل هذا جهة التذكير وتارة تراعي جهة التأنيث ، فتحمل