سورة المزمل والمدثر
غ - قوله تعالى في أولاهما : ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) ( المزمل : 1 - 2 ) إلى ما بعده وقال في أول سورة المدثرتلوها : ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ) ( المرثر : 1 - 2 ) إلى ما بعده ، للسائل أن يسأل عما ورد في هاتين السورتين من تسميه صلى الله عليه وسلم في الأولى بالمزمل وفي الثانية بالمدثر ؟ وأمره في الأولى بقايم الليل وما أعقب به ذلك في الثانية بإنذار الخلق ودعائهم إلى الله ، ما وجه هذا التخصيص في السورتين بما ذكرنا من التسمية والأمر ؟
والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن الله سبحانه أمرنا في كتابه العزيز بتعزيز نبينا صلى الله عليه وسلم وتوقيره ، ونهانا أن نجري في خطابه على حد تخاطبنا فقال تعالى : ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) ( النور : 63 ) ، وجرى المسلمون بتوفيق الله على ذلك في دعائهم إياه : يا رسول الله ، يا نبي الله ، غير رافعي أصواتهم في ندائه ودعائه على مقتضى أمره سبحانه بذلك . ثم إن العرب قد علم من حالهم في ذلك أن السيد خاطب عبده متلطفاً به ومشيراً إلى مكانته لديه أو قصد تأنيسه خاطبه باسم يشتقه من حال أو صفة يكون العبد عليها ، ويعدل عن معروف أسميته ليريه مكانته ويظهر كريم تحفيه به وعظيم تلطفه كقول نبينا صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه في قضيته المعلومة ، وقد وجده نائماً ، وقد أثر التراب في جنبه : قم أبا تراب ، فعلى ذلك جرى الوارد في نداء نبينا صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين بالمزمل والمدثر . وخصت هاتان السورتان بهما لبنائهما على ما ابتدئ به صلى الله عليه وسلم .
فأما تعقيب كل من الاسمين في السورتين بما أعقب به فعلى مقتضى كل واحدة من السورتين وما بنينا عليه ، أما الأولة فمبناها على أوامر من جليل أعمال الطاعات مما يزلف عند الله سبحانه ، من قيام الليل ، وترتيل القرآن ، والتجلد والتحمل لتلقي أوامر الكتاب ونواهيه المفهوم في قوله تعالى : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) ( المزمل : 5 ) ، والأمر بذكر اسمه تعالى تضرعاً وسءالاً ، والتبتل إليه سبحانه ، واعتماده تعالى وكيلاً ، والصبر على قول الضالين من الكفار ، والأمر بجميل هجرهم ، فهذه أمور ثمانية بين صريح ومكني . وأما سورة المدثر فمتضمنها من الأوامر دون ما في السورة قبلها عدداً ، وليس أكثرها من نمط تلك الأوامر ، وهي مع ذلك أوامر أولة في الأكثر ، فنوسب بين