تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
بينهما وأحكم فلا يلتقيان التقاء يعود بعدم المنفعة على العباد ، وأخرج منها اللؤلؤ والمرجان . وأجرى فيهما السفن بإجراء الرياح ، وأقام على الجميع دلائل الافتقار والحدوث ، وحكم عليهم بالفناء والعجز : ( هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ) ( الروم : 40 ) ، وما من معتبر من هذه إلا كان في مشاهدته مفصحاً بلسان حاله : ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( البقرة : 22 ) ، فلو اعتبر أولئك الأمم ببعض المنصوبات للاعتبار من المنبه عليه في سورة الرحمن لدلهم ذلك على الصانع الذي ليس كمثله شيء ، ولنبذوا معبوداتهم من دونه جل وتعالى وأجابوا الرسل فلم يهلكوا ، ولكنهم انحرفوا عن ميدان الإنصاف فكذبوا فهلكوا ، فلبناء السورة على هذا اختصت بذكر الميزان مكرراً مؤكداً على ما وقع فيها . ولما لم ترد هذه الأغراض في غير هذه السورة مبنية على ما تقدمها في السورة قبلها من أخذ المكذبين على الصفة الواردة فيها ، وانفردت هي بما قدم ؟ ، كانت مظنة الاعتناء بما ينسحب على كل طرق السلامة في كل عمل ، وهو العدل الذي به قوام المخلوقات ، والوزن بالقسط الذي تستوضح كل نفس في القيامة ( به ) ما لها وعليها ، ولم تكن غير هذه السورة لتكون أولى بذكر ذلك فيها منها ، والله أعلم . الآية الثانية من سورة الرحمن قوله تعالى : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( الرحمن : 13 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه تكرار هذه الآية إحدى وثلاثين مرة ، ما وجه ذلك ؟ وهل لتخصيص هذا العدد سبب موجب ؟ والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أنه افتتح سبحانه السورة بذكر ضروب من النعم تجل عن الإحاطة بوصفها ، ويعجز العارفون عن شكرها ، وكلها دلائل للمعتبر واضحة ، وشواهد قاطعة بانفراده سبحانه بالخلق والاقتراع والإنشاء والإبداع ، فقال تعالى : ( الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) ( الرحمن : 1 - 2 ) ، وخص سبحانه من أسمائه : ( الرحمن ) مناسبة لما رحم به عباده ، فبدأ سبحانه بتعليمه القرآن ، ولا نعمة أعظم من ذلك إذ بتعليمه البيان المتوصل به إلى الإبانة عما في نفسه واستيضاح ما انبهم عليه وإيضاح ذلك لغيره ، وبخ يعرف قدر النعمة بالقرآن ، ثم أردف فذكر نعمة الشمس والقمر ، ونبه تعالى على جريهما في بروجهما بحسبان ولما يدرك العالم من منافعهما إنضاجاً وتيبيساً وإضاءة وحسباناً : ( وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) ( الإسراء : 12 ) ثم قال تعالى تحريكاً للمعتبرين وإيقاظاً للمتفكرين : ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) ( الرحمن : 6 ) ، والنجم ما نجم من النبات وارتفع عن أرضه ، ثم قال : ( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ) ( الرحمن : 7 ) ، فأشار إلى جعلها سقفاً محفوظاً من