تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
ولما لم يذكر من حال قوم نوح وقوم صالح وقوم لوط مثل هذا التنويع لم يتكرر ما ورد في أعقاب قصصهم من قوله : ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) ، وتناسب ذكل كله أتم مناسبة ، وجرى مع كل قصة ما يلائمها فإن قيل : فإن آل فرعون قد تكرر عليهم الامتحان قال تعالى : ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ) ( الأعراف : 130 ) وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ولم يقع التنبيه على تعذيبهم وإنذارهم متكرراً كما وقع في قصة عاد ؟ فالجواب أن قصة آل فرعون لم يقع تعقيبها بقوله : ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) كما ورد في القصص الثلاث ، وإذا لم يرد تعقيبها بذلك فقد سقط السؤال عن التكرر ، ثم أعقبت بما يحرز امتحانهم بأشد امتحان وهو قوله تعالى ( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ) ( القمر : 42 ) . فلما خالف إيرادها تلك القصص ولم يجر في ذلك التعقيب مجراها لم يلزم السؤال المفروض ، والله أعلم ( بما أراد ) . وأما الجواب عن قصة عاد فإنما اختص ما نزل فيها من كتاب الله بذكر عذابين أحدهما قوله تعالى : ( لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( فصلت : 16 ) والثاني قوله : ( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ) ( فصلت : 16 ) ، فأشار قوله أولاً : ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) إلى عذابهم في الدنيا ، وأشار التكرار إلى عذاب الآخرة . وهذا الجواب ، والله أعلم : بعيد لأن سورة القمر بأسرها مقصودها تذكير كفار العرب من قريش بغيرهم بما نزل بمن تقدمهم من كذبي الأمم ، وإنما ذكروا بحاصل قد وقع بمن سلك مسلكهم ليتعرفوا خبره فيتعظوا ، وعلى هذا جرى تذكارهم في الكتاب العزيز ، فتارة بما يشاهد من خلق السماوات والأرض وشبه ذلك ، وتارة بما يعلم خبراً . أما وعظهم بعذاب الآخرة وهم يكفرون بالرحمن فبعيد ولا يطابق قوله عقب كل قصة : ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ولا قوله : ( وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ( القمر : 15 ) فتأمله ، وهو أعمد جوابي صاحب كتاب الدرة وأراه ( لا يصلح ) ، والله أعلم . * * * * * *