تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦

سورة الواقعة

قوله تعالى : ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ) ( الواقعة : 58 - 59 ) ، وبعد ذلك : ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) ( الوقعة : 63 - 64 ) ، وبعده : ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ) ( الوقعة : 68 ) ، ثم قال : ( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ) ( الواقعة : 71 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه هذا الترتيب ؟ وهل كان يمكن تقديم أحد هذه النعم المنعم بها على ما وقع في الآية متقدماً عليه ؟ والجواب عن هذه أن ذكر المتنعم متقدم في الرتبة على ما ذكر من النعم ، لأن النعم إنما خلقت للمتنعم بها ومن أجله ، فذكره أولاً بين اللزوم ، فلهذا تقدم ذكر خلق الإنسان المتنعم بالنعم فقال تعالى : ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ) ، وأما تقديم الأكل على الشرب فمعقول الرتبة وبحسب ذلك ورد المقول المنقول فقال تعالى : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) ( الطور : 19 ) ، فالشرب في الغالب للاستمراء وليس أولياً في الغذاء ولا متعمداً في الجسوم الحيوانية للنماء ، وإنما ورد ذكره مع الأكل تالياً لكونه في الرتبة ثانياً فقال تعالى : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) . وأما النار فللمنافع من الإنضاج والإسخان والإضاءة فهي متممة وليست كالأكل والشرب مدعمة ، إذ لم تكن كالأولى في الغذاء والنماء فليس من المناسبة تقدم ذكرها على الماء . وورد عقب الآية الأولى قوله : ( فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ) ( الواقعة : 62 ) وعقب الثانية ( فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ) ( الواقعة : 70 ) ، ووجه المناسبة أن الآية الأولى لمن تدبرها تذكرة بالعودة الأخراوية قال تعالى : ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ( الأعراف : 29 ) ، فأعقب بالتخصيص على التذكر بالبداءة على العودة . وأما الآية الثانية فمستدعية الشكر على عذوبة الماء ولو شاء لجعله أجاجاً ، فخلقة وجعله عذباً فوجب شكره تعالى على النعمة بذلك . * * * * * *
ملاك التأويل — صفحة 466 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي