تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
قال تعالى قاطعاً بهم في احتجاجهم ( أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ ) ( الطور : 30 ) ، وقد عرفوا أن ما جادلهم به ليس بشعر ، ثم قال تعالى : ( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا ) ( الطور : 32 ) ، ومن المعلوم الذي قد علموه هم أن عقولهم لا ترجع ذلك من مقالهم فكيف تأمرهم به ؟ ثم قال : ( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ) ( الطور : 33 ) أي فإن قالوا - فليأتوا بمثله وعجزهم عن ذلك قاطع هذا التعليق ، ثم قال : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ) ( الطور : 35 ) ، وقد كذبوا أنفسهم بهذا واعترفوا بخلق الله تعالى إياهم : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ( الزخرف : 87 ) ، ثم قال : ( أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) ( الطور : 35 ) ( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) ( الطور : 36 ) ، وقد أخبر تعالى عنهم بقوله : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ( لقمان : 25 ) فلا تعلق لهم بشيء من هذه المرتكبات لتكذيبهم أنفسهم وكل ما يقدر أن يتعلقوا به من المذكور بعد هذا من قوله : ( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ ) ( الطور : 37 ) إلى قوله : ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ) ( الطور : 40 ) لا توقف في اضحلال تعلقهم به ، فلم يبق بعد وضوح الحق إلا الضلال ولما بلغ المتقرر من رد متعلقاتهم الغاية في قطع كل متوهم من متوهماتهم المفروضة قال تعالى : ( أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ) ( الطور : 41 ) ، وهذا آخر ما يتوهم متعلقاً لهم وإن لم يقولوه ، فلم يبق لهم إلا أعمال المكيدة فأخبر تعالى أنهم : ( هُمُ الْمَكِيدُونَ ) ( الطور : 42 ) ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) ( القمر : 45 ) ، فقد وضح وجه تعقيب آي سورة الطور بهذه الآية . ولما كمل في سورة ( نوالقلم ) ذكر كل ما يمكن تعلقهم به ، واستوفي ما قد وقع منهم وما يشبه ذلك مما لم يقولوه لبعده كادعاء اطلاع الغيب واستراق السمع ، وادعاء خلق السماوات والأرض ، وإيجادهم من غير صانع مريد مختار قادر ، أو أن خزائنه سبحانه عندهم ، فلما لم يبق ما يتوهم إمكان تصوره ، وانقطع تعلقهم ، وتبين أن توقفهموامتناعهم عناد بّين ، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ) ( القلم : 51 ) ، فأرغمهم وفضحهم وأعقب الآية من قوله : ( أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ) ( القلم : 47 ) في سورة القلم بالأمر بالصبر لكمال ما قصد من قطعهم بكل جهة واستيضاح تمردهم من بعد ما تبين لهم الحق إلا الصبر عليهم حتى يحكم الله فيهم بما شاء ، وقال له تحذيراً من أنن تدركه السآمة والضجر : ( وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) ( القلم : 48 ) وبان أيضاً وجه هذا التعقيب . ولما كانت سورة الطور متقدمة في الترتيب المستقر ، وورد بعدها في سورة القلم ما