تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩

سورة الزخرف

الآية الأولى منها - قوله تعالى : ( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) ( الزخرف : 20 ) ، وقال في الجاثية : ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) ( الجاثية : 24 ) ، فأعقب في الأولى قوله : ( مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) بقوله : ( إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) ، وأعقب في الثانية قوله : ( مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) بقوله : ( إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) ، فللسائل أن يسأل عن وجه اختصاص كل من الموضعين بما به أعقب ؟ والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أنهم لما قالوا : ( لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ) فتعلقوا في احتجاجهم بقول الحق ، وهو أنه سبحانه لا يجري في ملكه إلا ما يريده ويشاؤه ، ثم في اختصصهم من أسمائه الرحمن عضد لتعلقهم وتقوية لما رأوا الاحتجاج به ، وكأنهم قالوا : إذا كان متصفاً بالرحمة ولا استبداد لأحد من الخلق بشيء من أفعالهم وإنما يجري ما يصدر عنهم بحسب مشيئته وإرادته ، وقد جرى منا ما نحن عليه من عبادة أصنامنا وما اتخذناه من معبوداتنا ، وليس لنا استبداد بما يصدر عنا فهو مراد له وبمشيئته وهو رحمة لأنه الرحمن ، فلو كانت الرحمة في تركنا معبوداتنا لشاء ذلك ( لنا ) لأن الرحمن لا يكون منه إلا ما هو رحمة ، وإنما الفعل له لا لنا ، فلو شاء أن لا نعبدها ما عبدناها ، فلما تعلقوا بما يبدو منه أن لديهم علماً ، أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا علم عندهم ، ولا قالوا ذلك عن معتقد تركن إليه قلوبهم ، إنما هو تخرص قولي لا علم وراءه ، ومن وحي الشياطين لأنهم أولياؤهم كما قال تعالى : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ) ( الأنعام : 121 ) ، فكرمهم تخرص بالقول لا علم وراءه ، إذ اللام في القدر وأحكامه ، وإن الإدارة تخالف الرضا ، وإن الآمر قد يأمر بما لا يريده ، وإنه سبحانه قد يريد إيقاع ما لا يرضاه ، وبيان ما تبني عليه التكاليف وتتعلق به الأوامر والنواهي من القدرة الكسبية التي بمعرفتها وثبوتها حصول السلامة من مذهب الجبر ، وبإنكارها التورط في مذهب الاعتزال أو قول أهل القدر ، وكلا المذهبين ضلال ونزوح عن الحق ، وكل من المذهبين له تهجم سبقية إلى الأذهان ، يدفعها التوفيق ؟ إلى النظر الصحيح ، وإلا كان التخرص المورط في الضلالات ، وهنا بحار طامية من دقائق العلم والنظر لا شيء عند هؤلاء الكفار منها ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) ( يونس : 29 ، ( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) ( يونس : 66 ) ، فقد وضح التناسب في هذا .