تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١

سورة الجاثية

الآية الأولى منها - قوله تعالى : ( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ( الجاثية : 3 - 5 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص كل آية من هذه الثلاث بما به خصت خواتمها من صفات المعتبرين بها ، فقيل في الأولى : ( لِلْمُؤْمِنِينَ ) ، وفي الثانية : ( لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ، وفي الثالثة : ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ؟ والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن خلق السماوات والأرض للمعتبر المنصف كاف في التصديق بحدوثهما وافتقارهما من حيث إن وجودهما أو عدمهما من قبيل الجائز ، والتخصيص بأحد الجائزين لا يكون إلا بمخصص مقتض هذا الجائز الواقع ، ثم ذلك المخصص لا يكون مماثلاً وإلا لافتقر إلى مخصص ، وذلك مؤد إلى التسلسل وهو محال ، وأيضاً فليس أحد المتماثلين في إيجاب حكم المماصلة بأولى مما يوجبه الآخر ، وهذا كله محال ، فلابد من صناع متعال عنه شبه المصنوع ، منزه عن المماثل والنظير وسمات الحدوث ، متصف بالكمال لكمال المصنوع وإتقانه ، متصف بالعلم والقدرة والإرادة ، إلى ما هو سبحانه أهله ، وإذا حصل الاعتراف بالصانع علم المعترف بما ذكرنا أنه تعالى قادر على خلق ما يشاء ، وإلى هذا أشار قوله تعالى : ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) ( يس : 81 ) ، فمن اعتبر بالسماوات والأرض أو بخلقهما إذ يمكن في قوله : ( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أن يؤخذ على ( أن ) لا مضاف محذوفاً ، وأن يكون على حذف المضاف ، أي إن في خلق السماوات والأرض ، وطريقة الاعتبار واحدة على التقديرين لمن اعتبروا ، فمن اعتبر وأنصف آمن ، قال تعالى : ( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ( الجاثية : 3 ) ، فحصل لهم الإيمان ، فوسموا قبل حصوله بما يؤوله أمرهم - إذا اعتبروا - إليه ، فهو من قبيل التسمية بالمآل ، ومنه قوله تعالى : ( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ) ( يوسف : 36 ) . ثم قال تعالى : ( وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ( الجاثية : 4 ) ، والمراد أن المعتبر بالسماوات والأرض إذا حسن اعتباره وأنصف من نفسه حصل له الإيمان بالصانع سبحانه ، فإذا أضاف إلى ذلك الاعتبار بخلق الإنسان وتطوره في الأرحام من حال النطفة ، إلى حال العلقة ، إلى حال المضغة ، إلى حال العظام وكسوتها باللحم ، إلى الإبراز