تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧

سورة الشورى

الآية الأولى منها - قوله تعالى : ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) ( الشورى : 49 - 50 ) ، ثم قال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ( الشورى : 51 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف فيما أعقبت به كل آية من هاتين الآيتين فقيل في الأولى : ( إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) وفي الثانية : ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) وهل كان يمكن عكس الواقع ؟ والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن الآية الأولى لما تضمنت الإعلام بانفراده سبحانه بملك السماوات والأرض وقهره جميع ( من ) فيهن ، وأنه الخالق لكل شيء فلا اختيار لمخلوق ولا مشيئة ، وكل صادر منه إحسان ، فيهب لمن يشاء إناثاً ، وقدم ذكر الإناث لكراهة العرب إياهن ، فأشار بتقديم ذكرهن إلى أن فلعهم وكراهتهم معارضة لما نفذت به مشيئته ، ثم قال : ( وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ) ، وجاء لفظ الذكور معرفاً ليشير بما تعطيه الألف واللام من العهدية إلى حالهم من الفضل ودرجة التقدم على الإناث ، فكأنه في قوة أن لو قيل : الذين من أمرهم و ( من ) شأنهم ، بتوازن تقديم الإناث وتعريف الذكور ، فقدم ذكر الإناث لإرغام العرب ، وعرف الذكرو لشرف المنزلة ، ثم قال : ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ) أي على التساوي عدداً ، ثم قال : ( وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ) ، فجعل من هذا كله أن الفعل لا يشركه فيه غيره ، يفعل في ذلك كله ما أراده . فلما تضمنت الآية قهر العباد وانفراده سبحانه بالخلق والأمر ناسبها الختام بقوله تعالى : ( إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) أي عليم بوجه الحكمة في ذلك ، قدير على ما يريده . ولما قال في الآية بعد : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) ( الشورى : 51 ) فأوضحت الآية عليّ كماله تعالى وتنزيهه عن سمات الحدوث وأن المخصوصين من البشر للسفارة والرسالة إنما خطابه سبحانه لهم بهذه الوجوه المفصحة بتنزيهه عن شبه خليقته ، فلا يصلون إلى ما يتقرر عنهم