تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
إلى عالم الشهادة بشراً سوياً محكماً متناسب الأعضاء تام الخلق ، إلى تدريجه بعد هذا ، وكل ذلك من غير توقف شيء من صفاته وخواصه على اختيار أب أو أم ، إلى اختلاف الألسنة والألوان والصور إلى ما يتعلق بذلك ، واعتبر بخلق الحيوانات وما بث سبحانه في الأرض برها وبحرها من ذلك ، وركون كل ذي شكل إلى شكله ، وقيام أغذية الجميع بما يصلح لهم ، وتسخير المسخر منها للآدمي وإيناسه ، وتوحش المتوحش ، وإجراء الجميع على اختلاف الأحوال في ذلك ، ففي الاعتبار بذلك كله ما يثمر للمؤمن اليقين ويرقيه إلى أعالي درجات المتقين . ثم إذا اعتبر بما أشارت إليه الآية الثاثة ، من اختلاف الليل والنهار ، وتهيئة الليل للسكون والاستراحى والنهار للتصريف في المعاش والحاجات ، وتداولهما كالمتعاوضين في الطول والقصر ، وإيلاج أحدهما في الآخر إيلاجاً خفياً حتى لا يدخل أحدهما على الآخر دفعة فيضر ( بأبصار ) الحيوان ، إلى ما يتعلق بهذا ويرجع إليه ، فمن أحكم تدبر ذلك واعتبر به ، واعتبر جري الرياح ومنافعخا من سوقها للسحاب والأمطار وإحياء الأرض بالماء النازل منها بعد موت الأرض وإخراجها ضروب النبات لانتعاش الحيوان ومصالحه ، فإذا اعتبر المؤمن الموقن بهذا أعقبه ثبات يقينه وتمكن دينه فآمن وأيقن وعقل عن ربه ، فانتفت الشبهات ، وأفصحت بالبراهين الآيات ، قال تعالى : ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) ( العنكبوت : 43 ) . فتأمل كيف جعل سبحانه تعقل الأمثال موقفاً على العالمين ، وإنما تحصل لهم الاتصاف بأن كانوا عاللمين بما منحوه كم كمال عقولهم ، فتبين التدريج الوارد في الآيات ، وأنه لا يلائم آية منها ما ختم به غيرها ، بل كان كل ختام من الأوصاف الثلاثة لا يليق بغير موضعه ، وتأمل آية البقرة وهي قوله تعالى : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ) إلى قوله : ( لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ( البقرة : 164 ) فأجمعت آية البقرة ما وقع في هذه الآيات الثلاث من سورة الجاثية منسوقاً ذلك بعضه على بعض غير مستأنف الابتداء للاعتبار به كما ورد في هذه الآي ، بل ورد مجموعة في آية واحدة ، كيف ختم ذلك بقوله : ( لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) كما ختمت هذه الآي الثلاث بقوله : ( لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) إعلاماً بشرف العقل الذي به - بإذن الله - يحصل الإيمان ثم اليقين ثم الثبات المحصل للكمال بحصول العلم الحاصر لذلك كله . سورة الأحقاف ، قد تقدم ما فيها * * * * * * *