تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
لأحد أن يتلقى حكماً إلا منه ، عليه السلام بعد تلقيه هو ذلك من جبريل ، فهو ، عليه السلام ، أول مؤمن وأول مسلم ، ولا تمكن تلك الأولية لغيره ، ولا نسبة إليها لأحد فقد وضح وجه دخول هذه اللام في قوله له : ( لِأَنْ أَكُونَ ) . الآية الثالثة من سورة الزمر قوله تعالى : ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ) ( الزمر : 21 ) ، وفي سورة الحديد : ( كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ) ( الحديد : 20 ) ، فورد هنا : ( ثم يكو ) وفي الأولى : ( ثم يجعله ) مكان ( ثم يكون ) فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك ؟ وهل كان يمكن أن يرد في الأولى : ( ثم يكون ) وفي الثانية ( ثم يجعله ) ؟ والجواب ، والله أعلم : أنه لا يناسب كلا من الموضعين إلا ما ورد فيه ، ولا يجوز على رعي التناسب اللازم رعيه في الكتاب العزيز غير ما ورد عليه الموضعان ، ووجه ذلك أن آية الزمر وردت مورد التنبيه على الاعتبار ، وبالنّصية على ذلك افتتحت الآية فقال تعالى خطاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم ، والمراد هو وأمته : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) ( الزمر : 21 ) ، والمراد به المطر ، فسلكه ينابيه في الأرض أي أنقذه وأراه في الأرض فبرزت عيونها وجرت مياهها من تلك المادة السماوية ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ) ( البقرة : 74 ) ، فيخرج به سبحانه الزرع المختلف الألوان والطعوم المتباينة : ( يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) ( الرعد : 4 ) ، ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ) ( الزمر : 21 ) فنسب سبحانه كل حالة من تقلبات الزرع إلى نفسه ، وتنقلاته من لدن خروجه ونباته وما بعد ذلك إلى تخلصه إلى نفسه ، إذ لا طمع لمخلوق في إعادة شيء من ذلك ، ثم قال تعالى : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) ( الزمر : 21 ) ، فافتتحت الآية واختتمت بالتنبيه على الاعتبار ، فلما كان مبناها على ذلك ناسب نسبة الفعل إليه تعالى فقال : ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ ) . وأما آية الحديد فوردت مثالاً للدنيا وابتداء غرورها ، وصغو الكافر الغافل إلى ذلك ، وإرعاضه عن سرعة تقلبها وزوارها وفنائها ، فلما قصد هنا المثال ناسب هذا المقصود قوله : ( ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ) ، إذ لم يتقدم في أول الآية النسبة للفاعل اكتفاء بما هو غير خاف على كل ذي عقل سليم ، فجرى آخرها على ما يجري عليه أولها ، كما جرى في آية الزمر ( من آخرها من التنبيه على ما جرى عليه أولها ، وتناسب ذلك كله ، وورد على ما يجب ، ولم يكن بناء على ما صدرت به كل آية منهما أن يكون في آية الزمر ) : ( ثم يكون ) ولا في آية الحديد : ( ثم يجعله ) ، بل ورد كل على ما يناسب ، والله أعلم . الآية الرابعة من سورة الزمر قوله تعالى : ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا